تقدير موقف: بعد شهر من التجميد العسكري وعودة الاستهدافات المتبادلة
بقلم: محمد نادر العمري
كاتب وباحث في العلاقات الدولية
بعد مرور شهر على تجميد الآلة العسكرية والصراع المباشر بين واشنطن وطهران، ولجوء الولايات المتحدة إلى تشديد الحصار الاقتصادي الخانق، عادت الاستهدافات المتبادلة للواجهة. فبعد استهداف القوات الأمريكية لـ جزيرة لارك، ورد إيران بقصف قاعدتين أمريكيتين في الأردن، يطرح السؤال الجوهري: هل بات المشهد أمام احتمال التصعيد المفتوح أم أنه مجرد مناورة تكتيكية؟ للإجابة، يجب الوقوف عند ثلاث نقاط محورية.
وللمزيد من التحليلات الجيوسياسية، زوروا موقعنا e3lamia.com.

النقطة الأولى: تبرير واشنطن وطبيعة الاختبار
تتمثل النقطة الأولى في التبرير الذي ساقته واشنطن لاستهداف الجزيرة، حيث ادعت القوات الأمريكية أنها استهدفت منصتي إطلاق صواريخ كانت تستعد لإطلاق ألغام بحرية. بغض النظر عن صحة هذا الادعاء من عدمها، فإن الاستهداف الأمريكي يحمل احتمالية كونه حقيقة، خاصة وأن واشنطن أعلنت نجاحها خلال الفترة الماضية في فك معظم الألغام البحرية.
ولكن في المقابل، قد يكون هذا الاستهداف محاولة أو اختباراً أمريكياً للوضع الداخلي الإيراني؛ لمعرفة ما إذا كان الحصار الاقتصادي قد أنهك القدرات الإيرانية، أو لقياس مدى قدرة القوات الإيرانية على ترميم قدراتها العسكرية بسرعة. ومن خلال هذه الزاوية، يبدو أن التصعيد ذو طابع تكتيكي بامتياز.
النقطة الثانية: توقيت الرد الإيراني ودلالاته
تكمن النقطة الثانية في طبيعة الرد الإيراني من حيث التوقيت والأسلحة والأهداف. فقد تقصدت إيران الرد السريع على الضربة الأمريكية لعدم كسر توازن الردع الذي حافظت عليه في الفترة السابقة. أما استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية، فقد جاء لإرسال رسائل مزدوجة:
- رسالة سياسية: للتعبير عن تمسك إيران بخيار الموازنة بين التفاوض والقوة.
- رسالة عسكرية: لتأكيد امتلاك إيران القدرات اللازمة لاستخدام القوة والهجوم.
أما فيما يتعلق باختيار الأهداف الأمريكية المتواجدة في الأردن تحديداً، فيحمل مدلولاً واضحاً على رغبة إيران في الابتعاد عن استهداف دول الخليج، مما يعكس عدم رغبتها في الانزلاق نحو تصعيد مفتوح وشامل. ومن خلال هذه النقطة، تؤكد معظم الترجيحات عدم وجود رغبة حقيقية في الحرب الشاملة.
النقطة الثالثة: حجم الاستهدافين وحدودهما الجغرافية
تأتي النقطة الثالثة لترسم الحدود الدقيقة للصراع من خلال حجم الاستهدافين. فالضربة الأمريكية جاءت ضمن رقعة جغرافية محددة وضد هدف محدد (زرع الألغام)، كما ورد في بيان القيادة المركزية الأمريكية. بالمقابل، جاء الرد الإيراني مركزاً على قاعدتين فقط في الأردن.
هذه النقطة الثالثة، المتعلقة بضبط حجم الضربة ورد الفعل، تؤكد بشكل قاطع أن السيناريو الراهن هو تصعيد تكتيكي محسوب، وليس تمهيداً لحرب شاملة.
الخلاصة: توازن دقيق
تشير مجمل المعطيات إلى أن الطرفين يسيران على حبل مشدود؛ واشنطن تختبر القدرات الإيرانية عبر ضربة محدودة، وطهران ترد بسرعة للحفاظ على الردع ولكن بأهداف مختارة بعناية لتجنب التصعيد الإقليمي الشامل. الصراع الحالي هو صراع إشارات ورسائل أكثر منه حرباً مفتوحة.







