بقلم: د. أنس الماحي
في المسرح الجيوسياسي المعقد لمنطقة الشرق الأوسط، نادراً ما تشتعل النيران في جبهة ما دون أن يمتد دخانها ليحجب الرؤية عن جبهة أخرى. ومع تصاعد نذر الحرب مع إيران والتلويح المستمر بإغلاق مضيق هرمز، يبدو أن الأجندة الدولية قد تمت إعادة صياغتها على عجل، لينتقل الاهتمام العالمي من المأساة الإنسانية وحرب الإبادة في غزة، والتمدد الإسرائيلي في جنوب لبنان وسوريا، إلى رعب اقتصادي عنوانه الأبرز: “أمن الطاقة وسلاسل الإمداد”.
وللمزيد من التحليلات الجيوسياسية، زوروا موقعنا e3lamia.com.
أرجوحة الأولويات: تفاعل تلقائي أم سيناريو مُحكم؟
هذا التحول الدراماتيكي يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نحن أمام تفاعل تلقائي لأزمات متزامنة، أم أننا بصدد سيناريو استراتيجي محكم ومقصود لخلط الأوراق وتوجيه بوصلة الوعي العالمي بعيدًا عن جراح الإقليم النازفة؟ فمع كل أزمة جديدة تتغير الأولويات، وتتجه عدسات الإعلام نحو العنوان الأكثر إلحاحًا وتأثيرًا على الاقتصاد العالمي.
مضيق هرمز: شريان الحياة الاقتصادي ورعب الأسواق
لا يمثل مضيق هرمز مجرد شريط مائي ضيق يفصل بين ضفتي الخليج العربي، بل يُعد أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. فمن خلاله تعبر كميات هائلة من النفط والغاز يوميًا نحو الأسواق العالمية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب فيه كفيلًا بإحداث هزات اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة لتصل إلى مختلف القارات، وفقًا لتقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA). ولهذا السبب، فإن مجرد التلويح بإغلاق المضيق يكفي لإثارة مخاوف المستثمرين، ورفع أسعار النفط، وإرباك الأسواق المالية. فالعالم المعاصر، رغم حديثه المتكرر عن الطاقة البديلة، ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على تدفق الطاقة القادمة من منطقة الخليج.
الورقة الإيرانية: ردع استراتيجي وليس مجرد تهديد
منذ عقود، ظل مضيق هرمز حاضرًا في الخطاب السياسي الإيراني كلما تصاعدت الضغوط الخارجية أو اشتدت العقوبات الاقتصادية. وتدرك طهران جيدًا أن موقعها الجغرافي يمنحها ورقة استراتيجية قادرة على استقطاب اهتمام العالم بأسره. ورغم أن إغلاق المضيق بصورة كاملة يظل خيارًا شديد التعقيد بسبب التوازنات العسكرية الدولية والتبعات الاقتصادية الضخمة التي قد تنعكس على إيران نفسها، فإن مجرد التهديد بذلك يكفي لإرسال رسائل سياسية قوية إلى واشنطن وحلفائها. فالمضيق هنا لا يمثل مجرد ممر للطاقة، بل أداة ردع ونفوذ في معادلة إقليمية ودولية معقدة.
“قنبلة دخانية” لتحويل الأنظار عن غزة؟
لم يكن مفاجئًا أن تتجه الأنظار فجأة نحو المياه الدافئة لمضيق هرمز، حيث تُقرع طبول حرب صاخبة مع إيران ويُعاد تدوير فزاعة “إغلاق شريان الطاقة العالمي”. فالتاريخ الجيوسياسي للشرق الأوسط يُعلمنا أن العواصم الكبرى لا تشعل حريقًا فرعيًا إلا لإطفاء النور عن جريمة كبرى تُرتكب في الممر الرئيسي. في اللحظة التي ضاق فيها الخناق الأخلاقي والقانوني على واشنطن وتل أبيب وسط تنديد دولي غير مسبوق بـ حرب الإبادة الجماعية المستمرة في غزة والتمدد العسكري السافر في جنوب لبنان وسوريا، استُدعي “سيناريو هرمز” من أدراج الاستخبارات الدولية كقنبلة دخانية عملاقة.
تزييف الوعي الكوني: برميل نفط أغلى من دماء الأبرياء
إنها عملية “تزييف للوعي الكوني” وإعادة صياغة قسرية لأولويات العالم، تحول فيها النقاش الإنساني من أشلاء الأطفال النازفة في فلسطين ولبنان إلى أسعار أسهم النفط (برنت) وسلاسل الإمداد، ليثبت النظام الدولي مجددًا أن برميل النفط لديه أغلى بكثير من بحور من دماء الأبرياء. في عالم الإعلام والسياسة، لا توجد مساحة غير محدودة للاهتمام؛ فكلما برزت أزمة جديدة ذات تداعيات عالمية، تراجعت بطبيعة الحال قضايا أخرى إلى الصفحات الخلفية.
نظرية “أنظر العصفورة”: الساحر الذي يلهي الجمهور
يشبه المشهد الدولي الحالي بالساحر البارع الذي يلوّح بيده اليمنى ليشد أنظار الجمهور إليها، فيما تجري الأحداث الحاسمة في اليد الأخرى بعيدًا عن الملاحظة. وهذا ما يُعرف سياسيًا وإعلاميًا بتحويل الانتباه أو نظرية “أنظر العصفورة“. فحين تندلع أزمة كبرى أو يتصدر حدث استثنائي العناوين العالمية، تنجذب إليه عدسات الكاميرات ومراكز صنع القرار، بينما تتراجع قضايا أخرى إلى الهامش مهما بلغت أهميتها. يرى بعض المراقبين أن التركيز المكثف على احتمالات الحرب مع إيران قد أسهم في تقليص حجم الاهتمام الدولي بالأوضاع في غزة، ليس بسبب تراجع أهمية القضية، وإنما نتيجة ظهور أزمة جديدة تحمل أبعادًا عالمية تمس الاقتصاد الدولي وأمن الطاقة.
الخاتمة: الحقيقة على الأرض
الحقيقة على أرض الواقع أن الاهتمام العالمي بقضية غزة قد انزوى قليلاً، والأمر ذاته ينطبق على ملفات أخرى في المنطقة مثل جنوب لبنان والساحة السورية. فالتطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط تجعل بعض القضايا تتقدم وأخرى تتراجع وفقًا لمستوى التصعيد وحجم التداعيات المحتملة. عندما يصبح الحديث منصبًا على احتمال اندلاع مواجهة واسعة قد تؤثر في الاقتصاد العالمي بأسره، فإن الاهتمام الإعلامي والسياسي يتجه بصورة طبيعية نحو مصدر الخطر الأكبر، بينما تتراجع الملفات الأخرى نسبيًا دون أن تختفي بالكامل من الحسابات الإقليمية والدولية.
يتبع…








وتبقى غزة والاحتلال الإسرائيلي على رأس القضايا بالشرق الأوسط والعالم الدولي أجمع