بقلم: رشيد مريتخ
باحث في التربية والأورطوبيداغوجيا
مقدمة: الحكامة التزام دستوري وليس خياراً
لم تعد الحكامة الجيدة في المؤسسات التعليمية مجرد خيار تدبيري، بل أصبحت التزامًا دستوريًا وقانونيًا وأخلاقيًا يهدف إلى ضمان الحق في تعليم جيد ومنصف وآمن لجميع المتعلمين. وقد أكد دستور المملكة المغربية على مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما جعل القانون الإطار رقم 51.17 من الحكامة رافعة أساسية لإصلاح المنظومة التربوية.
وللمزيد من التحليلات حول الإصلاح التربوي، يمكنكم زيارة موقعنا e3lamia.com.
وتؤكد مختلف التقارير الوطنية والدولية أن أغلب الأزمات التي تعرفها المؤسسات التعليمية لا تنشأ بسبب نقص الموارد فقط، بل بسبب اختلالات تدبيرية وتواصلية وتنظيمية كان بالإمكان معالجتها مبكرًا لو تم اعتماد آليات اليقظة والإنذار المبكر والتدبير الوقائي للمخاطر.
الاختلالات التدبيرية: مؤشرات إنذار مبكر للمخاطر
في المقاربات الحديثة للحكامة، لم يعد ينظر إلى الاختلال الإداري باعتباره مجرد خطأ معزول، بل مؤشرًا مبكرًا على وجود خلل بنيوي. ولذلك أصبحت المؤسسات الناجحة تعتمد ما يسمى بـ “تدبير المخاطر المؤسساتية” (Management of institutional risks)، الذي يقوم على رصد الإشارات الضعيفة قبل تحولها إلى أزمات حقيقية. فعدم ضبط الجداول الدراسية، أو ضعف التواصل مع الأسر، أو اختلال مساطر التقويم، ليست وقائع منفصلة، بل مؤشرات قد تؤدي إلى ارتفاع الهدر المدرسي وتراجع الثقة في المؤسسة.
أولاً: الحق في التمدرس يبدأ من التنظيم الجيد
من أبسط شروط الحكامة التربوية أن يعرف التلميذ مادته وأستاذه وزمن حصته. إن عدم تضمين جداول الحصص أسماء المواد أو الأساتذة يؤدي إلى ارتباك المتعلمين وضياع الزمن المدرسي، وهو ما يتعارض مع المقرر الوزاري لتنظيم السنة الدراسية والفصل 31 من الدستور المغربي المتعلق بالحق في التعليم. ولا يقف أثر هذا الخلل عند الجانب التنظيمي فقط، بل ينعكس مباشرة على حق المتعلم في الاستفادة الفعلية من الزمن المدرسي.
- مقارنة دولية: في دول مثل فنلندا وسنغافورة وكندا، يعتبر أي خلل في جداول الحصص مؤشرًا إداريًا يستوجب التصحيح الفوري لأن الزمن المدرسي مورد استراتيجي لا يقل أهمية عن الموارد المالية.
ثانيًا: الأنشطة الوطنية ليست ترفًا تربويًا
تشكل الأعياد الوطنية والاحتفالات المرتبطة بالوحدة الترابية جزءًا من التربية على المواطنة. لذلك فإن تعطيل أو إجهاض الأنشطة المرتبطة بهذه المناسبات يطرح إشكالًا تربويًا وقانونيًا، خاصة في ظل وجود المذكرات الوزارية المنظمة للحياة المدرسية. فالمدرسة ليست فضاءً لنقل المعارف فقط، بل مؤسسة لتكوين المواطن وترسيخ الثوابت الدستورية للأمة.
ثالثًا: مصداقية التقويم أساس العدالة التربوية
يعد التقويم المدرسي من أكثر المجالات حساسية. وعندما يتم احتساب نقط المواظبة والسلوك بشكل مخالف للمعطيات الرسمية الواردة في محاضر الغياب، فإن ذلك يهدد مبدأ تكافؤ الفرص ومصداقية النتائج. وتنظم المذكرات الخاصة بالتقويم كيفية احتساب المواظبة بشكل دقيق، مما يجعل أي تعديل غير مستند إلى وثائق رسمية محل مساءلة إدارية وقانونية.
رابعًا: تنفيذ القرارات الإدارية واجب وليس اختيارًا
تقوم الإدارة العمومية على مبدأ استمرارية المرفق العام. وأي امتناع عن تنفيذ مقرر أو توجيه إداري ملزم يمثل إخلالًا بمقتضيات الوظيفة العمومية، ويؤدي إلى اضطراب في سير المؤسسة وإضعاف سلطة القانون داخلها. وتزداد خطورة هذا السلوك عندما يصدر عن مسؤول تربوي يفترض فيه السهر على تطبيق النصوص التنظيمية.
خامسًا: الأسرة شريك استراتيجي في نجاح المتعلم
أكد القانون الإطار 51.17 على مركزية الأسرة في العملية التعليمية. لذلك فإن عدم استدعاء أولياء الأمور في حالات الغياب المتكرر أو الغش أو السلوكيات المخالفة يشكل فقدانًا لإحدى أهم آليات التدخل الوقائي. كما يحرم المتعلم من شبكة الدعم التربوي والاجتماعي التي تشكلها الأسرة والمؤسسة معًا.
سادسًا: الانضباط المدرسي ضمان للحقوق وليس أداة للعقاب
تفعيل المجالس التأديبية لا يهدف إلى العقاب في حد ذاته، بل إلى حماية المتعلمين وحفظ النظام العام للمؤسسة. وعندما لا يتم تفعيل المساطر التأديبية رغم توفر شروطها، فإن المؤسسة ترسل رسائل سلبية مفادها أن القواعد يمكن تجاوزها دون تبعات، وهو ما يؤثر على مناخ المؤسسة ويضعف سلطة القانون التربوي.
سابعًا: تعطيل الحياة المدرسية يفرغ المدرسة من رسالتها
أثبتت دراسات عديدة أن الأنشطة الموازية تسهم في تحسين النتائج الدراسية وتقوية الانتماء للمؤسسة. لذلك فإن تعطيل الأنشطة التربوية الوطنية والثقافية والفنية والرياضية يعد تعطيلًا لوظيفة المدرسة الحديثة واختزالًا لأدوارها في بعدها التلقيني فقط.
ثامنًا: التواصل المؤسساتي يجب أن يكون منصفًا
أصبحت الصفحات الرسمية للمؤسسات التعليمية جزءًا من الذاكرة الرقمية. وعندما يتم نشر أنشطة فئة من الأطر وإقصاء أنشطة أخرى دون مبرر موضوعي، فإن ذلك يطرح تساؤلات حول العدالة المهنية والشفافية. فالتواصل المؤسساتي الناجح هو الذي يعكس مجهود جميع الفاعلين دون تمييز.
تاسعًا: احترام التوقيت الإداري معيار للقدوة
منصب المسؤولية لا يمنح امتيازات إضافية بقدر ما يرتب التزامات إضافية. فالمسؤول التربوي مطالب بأن يكون نموذجًا في الانضباط والحضور. وفي هذا السياق فإن أي إخلال بواجب الحضور أو احترام التوقيت لا ينعكس فقط على أداء المرفق العمومي، بل يؤثر أيضًا على صورة المؤسسة وثقافة الالتزام داخلها.
عاشرًا: التدبير التشاركي ركيزة للحكامة الجيدة
أكد القانون الإطار 51.17 والعديد من المرجعيات الدولية أن القرارات التربوية الجيدة تبنى على المشاركة والتشاور. وإقصاء الأستاذ من المداولات المتعلقة بالأقسام التي يدرس بها يحرم المجلس من معطيات ميدانية أساسية ويضعف جودة القرار التربوي، ويتعارض مع فلسفة التدبير التشاركي.
الأساس الدستوري والقانوني للمسؤولية
تستمد الحكامة التربوية مشروعيتها من مقتضيات دستور المملكة المغربية لسنة 2011، خاصة الفصل 31 المتعلق بالحق في التعليم، والفصل 154 الذي يؤكد خضوع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية، والفصل 155 الذي يربط الأداء بقيم النزاهة، والفصل 156 الذي يكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. ومن ثم فإن أي ممارسة تدبيرية لا تنسجم مع هذه المبادئ تمثل مساسًا بالفلسفة الدستورية المؤطرة للمرفق العمومي.
من الحكامة التدبيرية إلى الحكامة التصحيحية
لا توجد مؤسسة خالية من الأخطاء، غير أن الفرق يكمن في سرعة اكتشاف الخلل ومعالجته. فـ “الحكامة التصحيحية” تقوم على الاعتراف بالمشكل، وفتح البحث الإداري، وتحديد المسؤوليات، وتصحيح المسائر. وبذلك تتحول الاختلالات من مصدر للأزمات إلى فرصة للتعلم المؤسساتي والتحسين المستمر.
خاتمة: نحو مدرسة الكفاءة والمساءلة
إن جودة المدرسة لا تقاس فقط بعدد البنايات، بل بمدى احترام قواعد الحكامة الجيدة داخلها. فكل اختلال تنظيمي أو تواصلي قد يبدو بسيطًا في البداية، لكنه يتحول مع الزمن إلى عامل يهدد الثقة في المؤسسة. ومن ثم فإن اعتماد ثقافة الإنذار المبكر والتوثيق الإداري والتدبير التشاركي يشكل السبيل الأمثل للوقاية من الأزمات. فالمدرسة المغربية الجديدة لن تبنى فقط بالإصلاحات البيداغوجية، بل أيضًا بإرساء ثقافة الحكامة الاستباقية التي تعتبر كل اختلال فرصة للتصحيح، رهانًا بمستقبل المنظومة التربوية وأهداف الدولة الاجتماعية الحديثة.








