قراءة في تفاعل الجمهور مع القضايا الوطنية بين الوعي والتفرج
بقلم: نزهة الإدريسي
المملكة المغربية
ليست سبتة ومليلية هي القضية المقصودة لذاتها، وإن كانت تفرض نفسها هذه الأيام على النقاش العام، وإنما أتخذها مثالاً لقراءة ظاهرة أوسع: كيف يتفاعل الجمهور مع القضايا التي تشغل الرأي العام، بعيداً عن اللاعبين السياسيين وصنّاع القرار؟
وللمزيد من التحليلات المجتمعية والسياسية، زوروا موقعنا e3lamia.com.

ففي كل قضية كبرى، إلى جانب القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية، تظهر قوى أخرى قد لا تمتلك جيوشاً ولا قرارات، لكنها تمتلك شيئاً لا يقل خطورة وتأثيراً: القدرة على تشكيل الوعي وتحريك المشاعر. إنها القوى الناعمة؛ الكلمة، والصورة، والفن، والأدب، والإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي… وهي أدوات قد تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها قادرة على صناعة التعاطف، أو تأجيج الغضب، أو حشد الجمهور خلف قضية، أو دفعه إلى اتخاذ موقف منها. وفي بعض الصراعات، قد تصل قوة الكلمة إلى مرحلة يصبح فيها تأثيرها أبعد من تأثير الرصاص، لأن الرصاص قد يحسم معركة، بينما تستطيع الكلمة أن تصنع وعياً يبقى بعد انتهاء المعركة.
من القوة الناعمة إلى القوى النائمة
لكن في الجهة الأخرى تقف فئة مختلفة: القوى النائمة. ليست بالضرورة غير مبالية، ولا خالية من المشاعر، بل قد تكون شديدة الاهتمام والمتابعة، لكنها تظل في موقع المتفرج؛ ترى، وتسمع، وتعلّق أحياناً، لكنها لا تتحول إلى فعل أو موقف.
ولعل أقرب تعبير لوصف هذه الحالة هو ما عرفته الساحة المصرية أثناء ثورة 25 يناير 2011 بـ «حزب الكنبة»، وهي الفئة التي اختارت البقاء في منازلها لمتابعة الأحداث عبر التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي أو عبر النوافذ والشرفات، مؤثرة السلامة على المغامرة أو المجازفة الخطرة حسب تصورها.
ميدان الوعي: حيث تُصنع المعارك الحقيقية
وهنا يطرح مثال سبتة ومليلية سؤالاً يتجاوز الجغرافيا والسياسة:
ماذا يفعل الجمهور حين تصبح قضية ما موضوعاً للجدل العام؟
هل يتحول إلى قوة ناعمة، يوظف الكلمة والفن والإبداع في صناعة الوعي؟
أم يبقى قوة نائمة، يراقب من بعيد، ويتفاعل لحظياً، ثم ينصرف إلى شؤونه؟
فالقضايا الكبرى لا يصنعها السياسيون وحدهم، ولا تحسمها الجيوش وحدها. هناك دائماً ميدان آخر للصراع: ميدان الوعي. وفي هذا الميدان، قد تكون تغريدة، أو قصيدة، أو لوحة، أو فيلم، أو مقال، أكثر قدرة على الوصول إلى ملايين الناس من خطاب سياسي كامل.
مسؤولية التمييز بين الوعي والوهم
لكن القوة الناعمة ليست بريئة دائماً؛ فهي يمكن أن تكون أداة للوعي كما يمكن أن تكون أداة للتضليل، ويمكن أن تجمع الناس حول الحقيقة كما يمكن أن تستثمر مشاعرهم وتدفعهم إلى موقف لا ينسجم مع طموحاتهم. وهنا تكمن مسؤولية الجمهور أيضاً.
فبين القوة الناعمة والقوة النائمة مساحة اسمها: الوعي. والسؤال الحقيقي ليس: من يملك القدرة على التأثير فقط؟ بل: من يملك القدرة على التمييز بين التأثير الذي يصنع وعياً، والتأثير الذي يصنع وهماً؟
الخاتمة: المرآة والقضية الحقيقية
وربما تكون هذه هي المعركة الأهم في زمن أصبحت فيه الكلمة والصورة قادرتين على إشعال قضية في ساعات، كما أصبحتا قادرتين على إخمادها أو تحريف مسارها.
فسبتة ومليلية هنا ليستا سوى مرآة… أما القضية الحقيقية فهي نحن:
كيف نفكر، وكيف نتفاعل، ومتى نتحول من جمهور متلقٍ ونائم إلى قوة واعية وفاعلة؟






