لماذا يحتل عصر التدوين مكانة مركزية في مشروع الجابري؟
بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ
باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا
بعد أن حاولنا في الحلقة الأولى أن نفهم لماذا أراد محمد عابد الجابري نقد العقل العربي، وتوقفنا في الحلقة الثانية عند معنى «العقل العربي» باعتباره، في جانب مهم من المشروع، عقلاً مكوَّناً داخل تاريخ وثقافة ومرجعيات محددة، نصل الآن إلى سؤال أكثر عمقاً:
– كيف تكوّن هذا العقل أصلاً؟
– هل ظهر دفعة واحدة؟
– هل كان موجوداً منذ بداية الإسلام بالشكل الذي وصل إلينا؟
أم أن هناك لحظة تاريخية معينة بدأت فيها المعارف تتجمع، وتُصنَّف، وتُدوَّن، وتتحول تدريجياً إلى مرجعيات تحدد كيف يفكر الإنسان العربي وكيف ينتج المعرفة؟ هنا يحتل مفهوم «عصر التدوين» مكانة أساسية في مشروع الجابري.
وللمزيد من التحليلات الفكرية والفلسفية، زوروا موقعنا e3lamia.com.
أولاً: لماذا «عصر التدوين»؟
حين يتحدث الجابري عن عصر التدوين، فهو لا يقصد مجرد انتشار الكتابة وتأليف الكتب. فالتدوين، في قراءته، يمثل لحظة تاريخية حاسمة في بناء الثقافة العربية الإسلامية. فقبل التدوين كانت المعرفة تعتمد بدرجات كبيرة على الرواية، والحفظ، والمشافهة، وانتقال الأخبار والأشعار والأحاديث والأنساب والمعارف من جيل إلى جيل. لكن عندما تبدأ عملية التدوين الواسعة، يحدث تحول مهم: المعارف التي كانت متداولة في الذاكرة والرواية تبدأ في التحول إلى مدونات. والمدونة ليست مجرد مجموعة نصوص. إنها تصبح مع مرور الزمن مخزوناً مرجعياً يعود إليه الناس في إنتاج المعرفة الجديدة. ومن هنا تأتي أهمية المسألة بالنسبة للجابري: لكي نفهم طريقة تفكير الثقافة العربية في مراحلها اللاحقة، ينبغي أن نفهم كيف تشكلت المدونة التي أصبحت مرجعاً لذلك التفكير.
ثانياً: من الشفاهة إلى المدونة
يمكن أن نتصور المسألة بهذه الصورة:
في مرحلة الشفاهة: المعرفة تُروى وتُحفظ ثم تُنقل.
أما مع التدوين فتبدأ سلسلة أخرى: المعرفة تُجمع وتُصنف ثم تُدوَّن وبعد ذلك تصبح مرجعاً.
وهذا التحول له نتائج بعيدة المدى. فعندما يصبح العلم مدوناً، يصبح بالإمكان:
– ترتيب المعلومات؛ تصنيفها؛
– التمييز بين أنواعها؛
– وضع قواعد للتعامل معها؛
– بناء علوم جديدة انطلاقاً منها؛
– العودة إليها بوصفها مرجعاً.
وهكذا لا يعود التراث مجرد ماضٍ محفوظ، بل يصبح مادة حاضرة في عملية إنتاج المعرفة. وهذه إحدى النقاط المهمة لفهم مشروع الجابري. فهو لا يريد أن يقول ببساطة: «كان هناك تراث قديم، ثم بقي معنا». بل يريد أن يسأل:
كيف صُنِع هذا التراث بوصفه منظومة معرفية؟ وكيف أصبح مرجعاً للتفكير؟
ثالثاً: التدوين ليس جمعاً بريئاً للمعرفة
هنا تصبح المسألة أكثر عمقاً فعندما نقوم بتدوين المعرفة، فإننا لا نجمع كل شيء بطريقة محايدة بالضرورة. هناك دائماً: اختيار، وتصنيف، وترتيب، وتبويب، وتمييز بين ما يُقبل وما يُستبعد. وهذه العملية تؤثر في شكل المعرفة نفسها. فمثلاً، عندما تظهر علوم اللغة والنحو والفقه والكلام والحديث والتفسير وغيرها في صورة أكثر تنظيماً، فإنها لا تقدم فقط معلومات بل إنها تقدم أيضاً: طرقاً في التفكير. ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين التدوين وتكوين العقل. فالإنسان لا يفكر فقط بما يعرفه، وإنما يتأثر أيضاً بالطريقة التي تنظم بها المعرفة التي يعرفها.
رابعاً: كيف تصبح المدونة مرجعية؟
هنا نقترب من قلب فكرة الجابري.
فالمدونة لا تبقى مجرد كتب في المكتبات. إذ مع مرور الزمن، تتحول إلى مرجعية. والمرجعية تعني أن الإنسان عندما يريد أن يجيب عن سؤال جديد، لا يبدأ دائماً من الصفر. بل يعود إلى ما يعتبره المجتمع المعرفي: أصلاً، أو قاعدة، أو نموذجاً، أو حجة، أو سلطة معرفية. وهنا يبدأ الماضي في التأثير في الحاضر. وقد يحدث شيء أكثر أهمية مثل أن يصبح التفكير الجديد نفسه مطالباً بأن يثبت مشروعيته من داخل المرجعيات القديمة. وهكذا يمكن أن تتحول المرجعية من مجرد مخزون معرفي إلى إطار يحدد إمكانات التفكير. وهذا هو أحد المفاتيح المهمة في قراءة الجابري.
خامساً: لماذا عصر التدوين لحظة تأسيسية؟
الجابري لا ينظر إلى تاريخ الفكر العربي باعتباره سلسلة من الأفكار المنفصلة. إنه يبحث عن البنية التي جعلت هذه الأفكار ممكنة. ولهذا يصبح عصر التدوين مهماً. ففي هذه المرحلة، لم تُدوَّن النصوص فقط، وإنما جرى أيضاً: تثبيت المعارف، وتصنيفها، وبناء علومها، وتحديد طرق الاستدلال داخلها. ومن ثم فإن ما جاء بعد ذلك لم يكن منفصلاً تماماً عن هذه اللحظة. بل صار يتحرك داخل فضاء معرفي تشكل في تلك المرحلة. وهنا نفهم لماذا يريد الجابري أن يعود إلى هذه اللحظة التاريخية لفهم العقل العربي.
سادساً: مثال مبسط من واقعنا
لنأخذ مثالاً معاصراً بعيداً عن التراث.
لنفترض أن مؤسسة ما وضعت، منذ تأسيسها، مجموعة من القواعد والإجراءات. وبعد عشرين أو ثلاثين سنة، يأتي موظفون جدد. قد لا يعرفون لماذا وضعت بعض القواعد أصلاً، لكنهم يجدونها جاهزة أمامهم. فيبدأون في العمل من داخلها. ثم يصبح من الطبيعي أن يقول أحدهم: «هكذا وجدنا النظام». ومع مرور الوقت، قد تصبح القاعدة القديمة وكأنها حقيقة طبيعية، لا مجرد اختيار تاريخي. هذا المثال يساعدنا على فهم الفكرة العامة: ما يتأسس في لحظة تاريخية معينة يمكن أن يتحول لاحقاً إلى إطار غير مرئي للتفكير. والجابري يريد أن يجعلنا نرى هذا الإطار.
سابعاً: من «ماذا نعرف؟» إلى «كيف نعرف؟»
هذه النقطة أساسية جداً في مشروع نقد العقل. فالجابري لا يكتفي بالسؤال: ماذا قال العلماء والفلاسفة والفقهاء والمتكلمون؟ بل يريد أن يذهب خطوة أبعد: كيف كانوا يفكرون؟ وما هي القواعد التي كانوا يستعملونها لإنتاج المعرفة؟ وما هي أنواع الحجج التي كانوا يعتبرونها مشروعة؟ وما هي المرجعيات التي كانوا يعودون إليها؟ وهنا نبدأ بالانتقال من تاريخ الأفكار إلى نقد آليات التفكير. وهذا هو السبب في أن مشروع الجابري ليس مجرد كتاب في التاريخ الثقافي. إنه محاولة للكشف عن البنية المعرفية التي تشكلت تاريخياً.
ثامناً: من هنا تبدأ الطريق نحو «البيان والعرفان والبرهان»
وهنا ينبغي ألا نستعجل. فثلاثية: البيان – العرفان – البرهان ليست مجرد ثلاثة أنواع من الكتب أو ثلاثة اتجاهات فكرية. إنها، عند الجابري، أنظمة معرفية تشكلت داخل الثقافة العربية الإسلامية، ولكل نظام منها: مفاهيمه وآلياته ومصادر شرعيته وطريقته في إنتاج المعرفة ونمطه الخاص في بناء الحقيقة. ولذلك سنخصص لها حلقات مستقلة. لكن قبل أن ندخل إليها، يجب أن نفهم شيئاً أساسياً: إن هذه الأنظمة لم تظهر في فراغ. لقد نشأت داخل تاريخ من التدوين، والتصنيف، وبناء العلوم، والصراع الفكري، وتحديد المرجعيات. ومن هنا فإن عصر التدوين هو المدخل الضروري لفهم تشكل هذه الأنظمة المعرفية.
تاسعاً: هل كان الجابري ينتقد التراث؟
(سيتم تناول هذا السؤال بالتفصيل في الحلقات القادمة، حيث سنناقش طبيعة النقد الجابري للتراث وهل هو هدم أم إعادة قراءة).
خلاصة الحلقة الثالثة
يركز الجابري في هذه المرحلة على أن عصر التدوين لم يكن مجرد نقل للمعارف من الذاكرة إلى الورق، بل كان لحظة تأسيسية أعادت تشكيل بنية التفكير العربي. فمن خلال عمليات الاختيار والتصنيف والتنظيم، تحولت المدونة إلى مرجعية تحدد كيفية إنتاج المعرفة لاحقاً. وبالتالي، فإن فهم العقل العربي يتطلب فهم الآليات التي تم بها بناء هذه المرجعيات في تلك الفترة التاريخية الحاسمة.
ماذا ننتظر في الحلقة القادمة؟
سنبدأ بالغوص في تفاصيل الثلاثية المعرفية: البيان، العرفان، والبرهان. كيف تشكل كل نظام؟ وما هي مصادر شرعيته؟ وكيف تفاعلت هذه الأنظمة فيما بينها لتشكيل العقل العربي كما نعرفه؟







