التستر على لوائح الأساتذة الفائضين: تفكيك لبنات الريع الإداري والنقابي ( الجزء الثالث)

في ضوء المرجعيات الدستورية والتشريعية والالتزامات الدولية

بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ
باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا


الجزء الثالث

ثالثاً: كيف يتحول التستر على اللوائح إلى مدخل لإنتاج الريع الإداري والنقابي؟

إذا كان الأصل هو الإعلان عن المناصب الشاغرة ولوائح الفائضين وفق معايير معلنة، فإن غياب هذا الإعلان يفتح المجال أمام تدخلات غير شفافة قد تحول عملية تنظيمية تقنية إلى مجال لإنتاج الامتيازات غير المشروعة. ويمكن رصد أهم هذه الآليات فيما يلي:

1. التكليفات المشبوهة والخصاص الوهمي

قد يتم، في بعض الحالات، التستر على مناصب شاغرة داخل مؤسسات أو مؤسسات تعرف جاذبية اجتماعية أو مهنية، ثم يتم إسنادها لاحقاً إلى أشخاص محددين بناء على اعتبارات شُخْصية أو ولاءات نقابية أو علاقات نفوذ، في حين يتم توجيه أساتذة آخرين إلى مؤسسات نائية رغم توفرهم على ترتيب أفضل حسب المعايير المعتمدة. وتكمن خطورة هذه الممارسة في أنها تستند إلى التحكم في المعلومة أكثر مما تستند إلى قرار معلل وقابل للمراقبة، مما يحول المعلومة الإدارية إلى مصدر للامتياز بدل حق مشترك للجميع.

2. التغييب القسري أو الانتقامي

قد تتحول آلية التغييب، التي يفترض أن تكون تقنية ومحايدة، إلى وسيلة ضغط أو عقاب عندما يتم تعديل البنيات التربوية أو توزيع الحصص بطريقة تؤدي إلى إحداث فائض مصطنع يطال أساتذة بعينه، خصوصاً إذا كان معروفاً بمواقفه المهنية المستقلة أو بعدم انخراطه في شبكات الولاء الضيقة. وهنا لا تكمن المشكلة في وجود فائض حقيقي، بل في احتمال توظيف السلطة التنظيمية لتحقيق غايات غير تلك المُنحت من أجلها، وهو ما يندرج ضمن مفهوم الانحراف في استعمال السلطة متى ثبتت عناصره قانوناً.

3. التفرغ غير المقتن واستمرار وضعية الفائض لسنوات

من المظاهر التي تثير تساؤلات حكامية استمرار بعض الموظفين في وضعية فائض لسنوات متتالية دون تكليف فعلي أو دون جدول حصص واضح، مع بقائهم قريبين من مقرات سكنهم أو من مؤسسات مرغوبة. ومتى اقترنت هذه الوضعية بحماية غير مبررة أو عدم إخضاعها للمراجعة الدورية، فإنها تطرح إشكال المساواة بين الموظفين، لأن الأصل أن يتحمل الجميع الأعباء المهنية وفق القواعد نفسها.

4. فرض سياسة الأمر الواقع

عندما لا يتم نشر اللوائح والترتيبات والمعايير بشكل واضح، يجد الأستاذ نفسه أمام قرار تكليف جاهز يطلب منه توقيعه على وجه الاستعجال، دون أن تتاح له إمكانية التحقق من المناصب المتوفرة أو من ترتيب زملائه أو من مدى احترام المسطرة القانونية. ويؤدي هذا الوضع إلى إضعاف قدرة الموظف على الدفاع عن حقوقه، وإلى تكريس منطق الأمر الواقع بدل منطق المشروعية والشفافية.

5. التحكم في المعلومة باعتباره مصدراً للسلطة

في الأنظمة الإدارية غير الشفافة تصبح المعلومة امتيازاً يحتكره بعض الفاعلين الإداريين أو النقابيين، ويستثمرونه في بناء شبكات النفوذ والوساطة. أما في الأنظمة الشفافة فتتحول المعلومة إلى حق متاح للجميع، فتتقلص الحاجة إلى الوساطة وتنتعد إمكانيات إنتاج الريع. ومن هنا يمكن فهم العلاقة العضوية بين الشفافية ومحاربة الفساد، فكلمات اتسعت دائرة الإفصاح تقلصت مساحات التدخل غير المشروع، والعكس صحيح.

وإذا كان الأصل في تدبير الفائض والخصاص هو تحقيق التوازن بين حاجيات المؤسسات التعليمية والموارد البشرية المتاحة، فإن هذا الهدف لا يتحقق إلا إذا اقترنت العملية بالشفافية الكاملة، من إتاحة المعلومات لجميع المعنيين، وإخضاع مختلف مراحلها للمراقبة الإدارية والقانونية. أما عندما تغيب الشفافية، أو يتم حجب بعض المعطيات ذات الصلة بالعملية، فإن المجال يصبح مهيئاً – في بعض الحالات – لظهور ممارسات قد تمس بمبادئ الاستحقاق والمساواة، وقد تفتح الباب أمام ما يمكن تسميته بالريع الإداري أو النقابي، أي الاستفادة من امتيازات لا تستند إلى معايير موضوعية، وإنما إلى التحكم في المعلومة أو النفوذ أو العلاقات الشخصية. ومن ثم، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الفائض أو الخصاص في حد ذاتهما، وإنما في الكيفية التي يتم بها تدبيرهما.


رابعاً: التستر على اللوائح… احتكار للمعلومة وإخلال بمبدأ المساواة

تعتبر المعلومة الإدارية عنصراً أساسياً في ضمان تكافؤ الفرص، لأن الموظف لا يستطيع الدفاع عن حقه أو ممارسة حقه في التظلم أو الطعن إلا إذا كان على علم بالمعطيات التي بني عليها القرار الإداري. وعندما لا يتم الإعلان عن لوائح الأساتذة الفائضين، أو عن المناصب الشاغرة، أو عن المعايير التي اعتمدتها الإدارة في ترتيب المعنيين، فإن ذلك يؤدي عملياً إلى خلق تفاوتات في الولوج إلى المعلومة، بحيث يستفيد منها بعض الأشخاص دون غيرهم. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد نقص في التواصل الإداري، بل بغياب أحد أهم الضمانات التي تقوم عليها الإدارة الحديثة، وهي المساواة في الوصول إلى المعلومات ذات الأثر القانوني. كما أن حجب هذه المعطيات يحرم الموظف من التحقق من سلامة تطبيق المعايير.

1. التكليفات المشبوهة والخصاص الوهمي

من بين أكثر الممارسات التي تثير النقاش داخل بعض الأوساط التربوية ما يشار إليه بوجود حالات يتم فيها الإعلان عن خصاص في بعض المؤسسات، بينما يتم، في المقابل، إخفاء مناصب شاغرة في مؤسسات أخرى أكثر استقراراً أو أكثر جاذبية. وإذا ثبت وقوع مثل هذه الممارسات في أي حالة معروضة على الجهات المختصة، فإنها قد تؤدي إلى تكليف بعض الأساتذة بمؤسسات معينة خارج ترتيب الاستحقاق، وهو ما يمس بمبدأ المساواة بين الموظفين. كما قد يفضي عدم الإعلان عن جميع المناصب الشاغرة إلى حرمان بعض الأساتذة من فرص كان يمكنهم الاستفادة منها لو توفرت لهم المعلومة في الوقت المناسب. ولذلك فإن نشر جميع المناصب المتاحة، وفق معايير موحدة ومعلنة، لا يخدم مصلحة الأستاذ فقط، بل يحمي الإدارة نفسها من الشبهات، ويعزز الثقة في قراراتها.

2. التغييب القسري أو الانتقامي

يقوم تحديد الفائض، من حيث المبدأ، على معايير موضوعية تحددها النصوص التنظيمية، ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لمعاقبة موظف بسبب آرائه، أو نشاطه النقابي، أو ممارسته لحقوقه القانونية، أو بسبب خلافات شخصية أو إدارية. وأي انحراف عن هذه الغاية، إذا ثبت قانوناً، من شأنه أن يفرغ تدبير الفائض من وظيفته التنظيمية، ويحولها إلى وسيلة للضغط أو التضييق، وهو ما يعارض مبدأ تخصيص الأهداف الذي يحكم ممارسة السلطة الإدارية. ومن هنا تبرز أهمية نشر اللوائح والمعايير، حتى يتمكن الجميع من التحقق من سلامة الإجراءات، والتأكد من أن ترتيب الفائضين قد تم وفق مقتضيات التنظيم، لا وفق اعتبارات أخرى.

3. التفرغ غير المقتن واستمرار بعض حالات الفائض

يثير الرأي العام التربوي، بين الفينة والأخرى، تساؤلات حول استمرار بعض حالات الفائض لمدة طويلة دون أن تتم معالجتها بالكيفية التي تقتضيها قواعد التدبير الرشيد للموارد البشرية. ولا يمكن الجزم بسبب كل حالة على حدة، لأن ذلك يظل رهناً بالمعطيات الواقعية والوثائق الإدارية، غير أن استمرار بعض الوضعيات الاستثنائية، إذا لم يكن مؤسساً على سند قانوني أو تنظيمي واضح، قد يطرح إشكالات مرتبطة بمبدأ المساواة بين الموظفين، ويؤثر في توزيع الأعباء التربوية بين المؤسسات. ومن ثم، فإن اعتماد قواعد موحدة، وإعلانها للعموم، يبقى الضمانة الأساسية لتحديد أي لبس، وإثبات أن جميع القرارات تستند إلى مبررات قانونية موضوعية.

4. فرض سياسة الأمر الواقع

من النتائج المباشرة لغياب الشفافية أن يجد الأستاذ نفسه أمام قرار جاهز، دون أن تتاح له فرصة الاطلاع على المعطيات التي بني عليها، أو مقارنتها ووضعيتها وباقي المعنيين. وفي هذه الحالة، يصبح من الصعب عليه تقييم مدى احترام الإدارة للمعايير التنظيمية، أو ممارسة حقه في التظلم بكيفية فعالة، لأنه يفتقد إلى المعلومة التي تمكنه من بناء دفاعه. ولذلك فإن نشر اللوائح قبل تنفيذ القرارات، وتمكين المعنيين من أجل معقول للاطلاع عليها وإبداء ملاحظاتهم أو تقديم تظلماتهم، يعد من الضمانات الأساسية لحماية حقوق الموظفين، وفي الوقت نفسه لحماية الإدارة من المنازعات اللاحقة.

5. عندما تتحول المعلومة إلى امتياز

لا تقوم الإدارة الحديثة على احتكار المعلومة، وإنما على تداولها وفق الضوابط القانونية. فكلما كانت المعلومات متاحة للجميع، إلا وتقلصت إمكانيات التأثير غير المشروع، وضعفت فرص المحاباة والوساطة، وتعززت ثقة الموظفين في المؤسسة. أما عندما تصبح المعلومة امتيازاً يحتكره عدد محدود من الأشخاص، فإنها تتحول إلى مصدر قوة غير مشروع، قد يسمح بالتأثير في مسار القرارات، ويخلق شعوراً بعدم تكافؤ الفرص، حتى ولو كانت القرارات في أصلها سليمة. ومن هنا، فإن نشر لوائح الفائضين والمناصب الشاغرة، والمعايير المعتمدة، لا يمثل فقط التزاماً تنظيمياً، بل يعد إحدى أهم آليات الوقاية من الريع الإداري، وتجسيداً عملياً وأولاً لمبادئ الحكامة الجيدة التي أقرها دستور المملكة، وثانياً للحق في الحصول على المعلومات، وثالثاً للقيم التي تقوم عليها الإدارة العمومية الحديثة. غير أن هذه المبادئ لم تعد مقتصرة على التشريع الوطني، بل أصبحت جزءاً من التزامات المغرب الدولية، سواء في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، أو ضمن أهداف التنمية المستدامة، أو خلال المرجعيات الدولية الخاصة بأوضاع المدرسين والحكامة العمومية، وهو ما سيتم تناوله في المحور الموالي.

يتبع في الجزء الرابع…
بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ
باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا

رسم بياني يوضح علاقة التستر على المعلومات بظهور الريع الإداري والمحسوبية في القطاع العمومي.

e3lamia

"مؤسس ومدير منصة إعلامية (e3lamia). صحفي وباحث متخصص في الشؤون الدولية والتحليلات السياسية. خبرة تمتد لـ 10 سنوات في المجال الإعلامي الرقمي."

Related Posts

الدكتورة سومية حكيم تطرح نموذجًا عربيًا لحوكمة المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعيوتعلن إطلاق مشروع «هندسة المعرفة الإسلامية» في مؤتمر Mena Editors

إسطنبول – من إنتاج المحتوى إلى بناء البنى المعرفية الموثوقة الباحثة الرئيسية: الدكتورة سومية حكيم متخصصة في هندسة المعرفة والإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الإعلام العربي،…

باحثة مغربية تقود مقاربة بينية في إسطنبول:الدكتورة دنيا تامري توظف “علم النفس السيبراني” لفك شيفرات الوعي الجمعي

إسطنبول – 29 أغسطس 2026 | مؤتمر MENA Editors الأول للإعلام والتحولات الرقمية المحاضرة: الدكتورة دنيا تامري باحثة متخصصة في الإعلام الرقمي وعلم النفس السيبراني في ظل التحولات الجذرية التي يشهدها…

0 0 الأصوات
تقييم المادة

اترك رد

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

You Missed

سبتة ومليلية: من جغرافية القضية إلى جغرافية الصدى

  • من e3lamia
  • سبتمبر 12, 2026
  • 7 views
سبتة ومليلية: من جغرافية القضية إلى جغرافية الصدى

🔴 عاجل: الجزائر تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات رسمياً

  • من e3lamia
  • سبتمبر 11, 2026
  • 27 views
🔴 عاجل: الجزائر تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات رسمياً

الكوفية الفلسطينية: رمز الصمود والتشبث بالأرض والهوية

  • من e3lamia
  • سبتمبر 11, 2026
  • 27 views
الكوفية الفلسطينية: رمز الصمود والتشبث بالأرض والهوية

السلطة والشرعية في العقل السياسي العربي:كيف تُنتج الشرعية؟ البيعة، القوة، الدولة، الحاكم والجماعة(ح8)

  • من e3lamia
  • سبتمبر 7, 2026
  • 43 views
السلطة والشرعية في العقل السياسي العربي:كيف تُنتج الشرعية؟ البيعة، القوة، الدولة، الحاكم والجماعة(ح8)

وهم التأثير “Influence”: بين صخب الشهرة ورصانة التخصص الرقمي رؤية تكاملية في الأصول الشرعية والسلوك الرقمي الواعي

  • من e3lamia
  • سبتمبر 5, 2026
  • 147 views
وهم التأثير “Influence”: بين صخب الشهرة ورصانة التخصص الرقمي رؤية تكاملية في الأصول الشرعية والسلوك الرقمي الواعي

عندما يُساء استعمال السلطة — من الخطأ الإداري إلى صناعة الملف:كيف تتحول الأجهزة الرسمية إلى أدوات للكيّد والضغط؟

  • من e3lamia
  • سبتمبر 5, 2026
  • 176 views
عندما يُساء استعمال السلطة — من الخطأ الإداري إلى صناعة الملف:كيف تتحول الأجهزة الرسمية إلى أدوات للكيّد والضغط؟
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x