في ضوء المرجعيات الدستورية والتشريعية والالتزامات الدولية (الجزء الرابع)
بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ
باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا
رابعا: التستر على لوائح الأساتذة الفائضين والمناصب الشاغرة
لم يعد تدبير الموارد البشرية في المرافق العمومية مجرد عملية إدارية روتينية، بل أصبح جزءاً من منظومة دولة الحق والقانون، ومنظوماً جزئياً من مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن الممارسة الإدارية، في بعض تجلياتها، قد تنحرف عن هذه المبادئ السامية لتتحول إلى أداة لإنتاج الريع الإداري والنقابي، وذلك من خلال التستر على لوائح الأساتذة الفائضين والمناصب الشاغرة، مما يمس بمبدأ تكافؤ الفرص ويهدد الثقة في المؤسسة العمومية.
وللمزيد من التحليلات التربوية والقانونية، زوروا موقعنا e3lamia.com.
اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد
تشكل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي صادق عليها المغرب، إطاراً مرجعياً ملزماً لتعزيز الشفافية والنزاهة في تدبير الشأن العام. وقد أكدت الاتفاقية في ديباجتها على ضرورة تعزيز النزاهة والمساءلة والإدارة السليمة للشأن العام، واعتبرت أن الفساد ظاهرة تقوض التنمية المستدامة وتهدد استقرار المجتمعات. وفي هذا السياق، يعد إخفاء المعلومات المتعلقة بتدبير الموارد البشرية، كالقوائم الخاصة بالفائض والخصاص، شكلاً من أشكال الفساد الإداري الذي يجب مكافحته، لأنه يحول دون ممارسة المواطنين لحقهم في المعرفة والمراقبة، ويفتح الباب أمام المحسوبية والزبونية.
أهداف التنمية المستدامة لسنة 2030
تتبنى المملكة المغربية، كعضو فاعل في المجتمع الدولي، أجندة أهداف التنمية المستدامة لسنة 2030، والتي تضع مكافحة الفساد وتعزيز مؤسسات الحكم الرشيد في صلب أولوياتها (الهدف 16). ويتضمن هذا الهدف بالتحديد ضمان اتخاذ القرارات على جميع المستويات بطريقة مستجيبة للاحتياجات وشاملة للجميع وتشاركية وتمثيلية، وضمان وصول الجمهور إلى المعلومات. وعليه، فإن أي ممارسة إدارية تقوم على حجب المعلومات المتعلقة بالتعيينات والترقيات والتدبير البيداغوجي، تعتبر خرقاً صريحاً لهذه الالتزامات الدولية، وتعيق تحقيق التنمية المستدامة في قطاع التعليم.
الهدف الرابع: التعليم الجيد
لا يمكن الحديث عن تعليم جيد وشامل وعادل (الهدف 4 من أهداف التنمية المستدامة) في ظل بيئة إدارية مشبعة بالغموض والانتقائية. فغياب الشفافية في تدبير الموارد البشرية يؤثر سلباً على جودة التعلمات، حيث يتم توجيه الكفاءات بعيداً عن مواقع الحاجة الحقيقية، ويتم إهدار الطاقات البشرية في صراعات داخلية حول المناصب والامتيازات. كما أن غياب المعايير الموضوعية في التعيين والتنقيط يولد شعوراً بالإحباط لدى الأطر التعليمية، وينعكس ذلك حتماً على أدائها البيداغوجي وعلاقتها بالمدرسة والمتعلم.
الهدف السادس عشر: السلام والعدل والمؤسسات القوية
يرتبط هذا الهدف ارتباطاً وثيقاً بموضوعنا، إذ يدعو إلى بناء مؤسسات فعالة وشفافة وخاضعة للمساءلة على جميع المستويات. ويشدد على ضرورة ضمان اتخاذ القرارات بطريقة شاملة وتشاركية، وضمان وصول الجمهور إلى المعلومات. إن التستر على لوائح الفائض والخصاص يناقض جوهر هذا الهدف، لأنه يحول الإدارة المدرسية من مؤسسة تخدم الصالح العام إلى فضاء للمساومات والصفقات، مما يضعف ثقة المواطن في المؤسسات العمومية ويقوض أسس العدالة الاجتماعية.
الجزء الثاني من الصفحة (تابع)
حقوق الإنسان ومراكزها
ضمن هذا الإطار، ونظراً للصلة الوثيقة بين تدبير الموارد البشرية وحقوق الإنسان، فإن أي إخفاء للمعلومات أو تلاعب بالقوائم يمس بحقوق الموظفين في المساواة والإنصاف والكرامة. وقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكذا العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على حق كل فرد في العمل وفي شروط عمل عادلة ومرضية. وإن عدم احترام هذه الحقوق في القطاع العمومي، وخاصة في مجال حيوي كالتعليم، يعتبر تراجعاً خطيراً عن المكتسبات الديمقراطية للمغرب.
توصية اليونسكو ومنظمة العمل الدولية لسنة 1966
تعد توصية اليونسكو ومنظمة العمل الدولية بشأن مركز المعلمين (1966) وثيقة مرجعية أساسية تحدد المعايير الدولية لمهنة التدريس. وقد أكدت التوصية على ضرورة توفير ظروف عمل لائقة للمعلمين، وضمان استقلاليتهم المهنية، وإشراكهم في اتخاذ القرارات التي تمس حياتهم المهنية. كما دعت إلى وضع معايير موضوعية وشفافة للتعيين والترقية والتنقيط، بعيداً عن أي اعتبارات شخصية أو سياسية أو نقابية. إن التستر على لوائح الفائض والخصاص يمثل انتهاكاً صريحاً لهذه التوصية، لأنه يحرم المعلمين من حقهم في معرفة معايير تدبير مسارهم المهني ويعرضهم للتعسف الإداري.
مبادئ الحكامة المفتوحة
تشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً نحو تبني مبادئ الحكامة المفتوحة، التي ترتكز على ثلاثة أركان أساسية:
– الشفافية.
– المشاركة.
– المساءلة.
وفي هذا النموذج، لا يُنظر إلى نشر المعلومات باعتباره منة من الإدارة، بل كحق أساسي للمواطنين. كما أن مشاركة المواطنين في صنع القرار ومراقبة أداء المؤسسات العمومية تصبح جزءاً لا يتجزأ من العملية الديمقراطية. إن استمرار الإدارة المغربية في نهج سياسة الإغلاق والكتمان في تدبير ملفاتها الحساسة، كملف الموارد البشرية في التعليم، يضعها في موقف متناقض مع التوجهات العالمية ومع التزاماتها الدولية في مجال الحكامة الرشيدة.
ماذا نتعلم من النماذج الدولية؟
إذا نظرنا إلى التجارب الدولية الرائدة في مجال تدبير الموارد البشرية في التعليم، نجد أن الشفافية هي القاعدة الذهبية التي تحكم جميع العمليات. ففي دول مثل فنلندا وكندا وسنغافورة، يتم نشر جميع المعايير واللوائح والقوائم بشكل علني ومفصل، مما يسمح لكل معني بالأمر بالاطلاع على حقوقه وواجباته ومعرفة مكانته في السلم الإداري. كما أن آليات الطعن والتظلم تكون واضحة ومضمونة، وتتم مراجعتها من قبل جهات مستقلة. إن تبني مثل هذه النماذج يتطلب إرادة سياسية قوية وإصلاحاً جذرياً للذهنية الإدارية، تنتقل من منطق “الإدارة-السلطة” إلى منطق “الإدارة-الخدمة”.
إن استمرار حالة الغموض في تدبير الموارد البشرية في قطاع التربية الوطنية لا يخدم سوى فئة محدودة تستفيد من الريع الإداري والنقابي، بينما يتحمل الجميع، من معلمين ومتعلمين وآباء وأمهات، تبعات هذا الوضع. لذلك، فإن المطالبة بالشفافية والنزاهة في تدبير لوائح الفائض والخصاص ليست مطلباً فئوياً، بل هي قضية مجتمعية تمس مستقبل المدرسة المغربية ومصداقية الإصلاح.
يتبع في الجزء الخامس…
بقلم: الأستاذ رشيد مرتخ
باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا









