العِرفان: كيف تصبح المعرفة تجربةً باطنية؟من «النص» إلى «الكشف» ومن «الاستدلال» إلى «المعرفة الباطنية»

الحلقة الخامسة: تفكيك النظام المعرفي العرفاني عند محمد عابد الجابري

بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ

باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا


بعد أن رأينا في الحلقة الرابعة كيف يشتغل النظام البياني في إنتاج المعرفة، ننتقل الآن إلى نظام مختلف جذرياً في بنيته ومنطقه: العِرفان. وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أمر منهجي مهم: فالجابري لا يقدّم العرفان باعتباره مجرد مجموعة من الأفكار الصوفية أو الباطنية، وإنما يدرسه باعتباره نظاماً معرفياً له طريقة خاصة في الوصول إلى الحقيقة. وهذا هو السؤال الذي سيقود هذه الحلقة: إذا كان البيان يجعل النص واللغة والتأويل أساساً للمعرفة، وإذا كان البرهان سيجعل العقل والاستدلال أساساً لها، فكيف ينتج العرفان المعرفة؟ والجواب عند الجابري يقودنا إلى مفاهيم مثل: الكشف، الباطن، التأويل، التجربة، والاتصال بالحقيقة.

وللمزيد من التحليلات، زوروا موقعنا e3lamia.com.

أولاً: من أين يبدأ العرفان؟

في النظام البياني، يبدأ التفكير من النص.
هناك نص ينبغي فهمه، ولغة ينبغي تحليلها، وأصول وقواعد ينبغي الرجوع إليها. أما في النظام العرفاني، فالمسألة مختلفة. المعرفة لا تأتي بالضرورة من الاستدلال العقلي وحده، ولا من ظاهر النص وحده، وإنما يمكن أن تأتي من تجربة باطنية تجعل العارف قادراً، بحسب التصور العرفاني، على بلوغ حقيقة لا تظهر للإنسان العادي بمجرد القراءة أو الاستدلال. وهنا تظهر كلمة أساسية: الكشف. والكشف يعني، في السياق العرفاني الذي يحلله الجابري، أن الحقيقة يمكن أن تنكشف للعارف بطريقة تتجاوز الطرق المعتادة لاكتساب المعرفة. وهنا نحن أمام تحول عميق:
المعرفة لم تعد فقط شيئاً نبحث عنه خارج ذواتنا؛ بل يمكن أن تصبح شيئاً يُعاش في الداخل.

ثانياً: الظاهر والباطن

هذه الثنائية من أهم المفاتيح لفهم العرفان. فهناك ظاهر يمكن للإنسان أن يراه ويفهمه من خلال اللغة والنص والتفسير المباشر. لكن العرفاني يبحث عن باطن وراء هذا الظاهر. ولذلك يصبح السؤال: هل ما يظهر لنا هو كل الحقيقة؟
بالنسبة إلى المنظور العرفاني الذي يناقشه الجابري، الجواب هو: لا بالضرورة.
قد يكون للنص معنى ظاهر، لكن وراءه معنى أعمق. وقد يكون للحدث معنى مباشر، لكن وراءه دلالة أخرى لا يدركها إلا من امتلك أدوات المعرفة الباطنية. وهنا يصبح التأويل مختلفاً عن مجرد شرح النص. فالتأويل العرفاني لا يكتفي بالسؤال: ماذا يقول النص؟ بل يسأل: ماذا يخفي النص وراء ما يقوله؟ وهذا الفارق مهم جداً.

ثالثاً: من التأويل إلى الكشف

هنا تبدأ خصوصية النظام العرفاني في الظهور. في القراءة البيانية، توجد قواعد للغة وأصول للتفسير والاستدلال. أما في المعرفة العرفانية، فإن الوصول إلى المعنى الباطني يرتبط بمستوى آخر من التجربة والمعرفة. فليس كل إنسان، وفق هذا التصور، قادراً على إدراك الحقيقة نفسها. وهكذا تظهر فكرة درجات المعرفة. هناك من يقف عند الظاهر، وهناك من يستطيع الانتقال إلى الباطن. ومن هنا لا تصبح المعرفة مجرد معلومات يمتلكها الإنسان، وإنما تصبح أيضاً مرتبة من مراتب الوجود والتجربة الروحية. وهذا ما يجعل العرفان مختلفاً في بنيته عن المعرفة البرهانية التي سنصل إليها مع ابن رشد.

رابعاً: هل العرفان هو التصوف؟

هنا ينبغي أن نكون دقيقين. إذ لا ينبغي اختزال العرفان عند الجابري في التصوف وحده. فالتصوف يمثل أحد المجالات المهمة التي ظهرت فيها المعرفة العرفانية، لكنه ليس المجال الوحيد الذي يدرسه الجابري ضمن هذه البنية. العرفان عنده يرتبط أيضاً بتيارات فكرية وروحية وباطنية مختلفة، وبمحاولات متعددة لإقامة معرفة تقوم على الباطن والكشف والتأويل. ولذلك فالسؤال الذي يهمنا ليس: هل كان فلان صوفياً أم لا؟ بل: ما نوع المعرفة التي كان ينتجها؟ وما القواعد التي كان يعتمدها للوصول إلى الحقيقة؟ وهنا نعود إلى قلب مشروع الجابري: هو لا يكتفي بدراسة الأفكار؛ بل يريد اكتشاف النظام الذي يجعل تلك الأفكار ممكنة.

خامساً: لماذا يعتبر الجابري العرفان نظاماً معرفياً؟

لأن العرفان لا يقدم مجرد أجوبة متفرقة.
إنه يقوم على تصور متكامل حول:
– مصدر المعرفة؛
– طريقة الوصول إليها؛
– العلاقة بين الظاهر والباطن؛
– معنى التأويل؛
– مكانة التجربة الروحية؛
– مراتب العارف؛
– طبيعة الحقيقة التي يمكن الوصول إليها.
وبذلك يصبح لدينا نظام لإنتاج المعرفة. وهذا بالضبط ما يهم الجابري. فالسؤال ليس: ماذا قال العارف؟ بل: كيف أصبح قادراً على قول ما قال؟ وهذه النقلة هي التي تجعل قراءة الجابري مختلفة عن مجرد دراسة تاريخ التصوف أو تاريخ الأفكار.

سادساً: العرفان والبيان: أين يقع الاختلاف؟

يمكننا الآن أن نضع الفرق بصورة مبسطة. البيان ينطلق أساساً من النص واللغة والأصل، ويبحث عن كيفية فهم المعنى واستنباطه. أما العرفان فيبحث عن المعنى الباطني الذي يتجاوز الظاهر، ويمنح التجربة والكشف والتأويل مكانة مركزية. لكن يجب ألا نفهم هذا الفرق باعتباره مجرد صراع بين «النص» و«الروح». فالمسألة عند الجابري أكثر تعقيداً. لقد عاش البيان والعرفان داخل الثقافة العربية الإسلامية في علاقات متشابكة: صراعاً، وتأثراً، وتداخلاً، واستيعاباً متبادلاً في بعض الحالات. وهنا بالضبط تصبح دراسة العرفان ضرورية لفهم بنية العقل العربي كما تشكلت تاريخياً.

سابعاً: مثال مبسط لفهم الفرق

لنفترض أن أمامنا نصاً يحمل معنى واضحاً. القراءة البيانية تسأل:
– ما دلالة الكلمات؟
– ما السياق؟
– ما القاعدة اللغوية؟
– ما الذي يسمح به النص؟
– كيف يمكن تفسيره وفق أصوله؟
أما القراءة العرفانية فقد تسأل:
– هل لهذا النص معنى باطني يتجاوز ظاهره؟
– هل يمكن أن يكون الظاهر مجرد مدخل إلى حقيقة أعمق؟
– هل توجد طبقة من المعنى لا تظهر إلا لمن بلغ مرتبة معينة من المعرفة؟
هذا المثال لا يعني أن كل قراءة باطنية واحدة، ولا أن كل قراءة بيانية واحدة، وإنما يساعدنا فقط على رؤية اختلاف منطق إنتاج المعرفة.

ثامناً: أين تكمن إشكالية العرفان عند الجابري؟

هنا نصل إلى الجانب النقدي من المشروع. فالجابري لا يناقش العرفان باعتباره تجربة روحية ينبغي السخرية منها أو رفضها لمجرد كونها روحية. إن اهتمامه ينصب على آثار تحويل الكشف الباطن إلى مصدر للمعرفة. فإذا أصبحت الحقيقة مرتبطة بتجربة داخلية لا يستطيع الآخر التحقق منها بالطريقة نفسها، تظهر مشكلة: كيف يمكن اختبار هذه المعرفة؟ وهنا يبدأ الاختلاف الجوهري مع البرهان. فالبرهان، عندما سنصل إليه، يقوم على قواعد تسمح للآخر بأن يتتبع الاستدلال ويفحصه ويناقشه. أما المعرفة القائمة على تجربة باطنية خاصة، فإن إمكانية التحقق المشترك منها تصبح أكثر تعقيداً. وهذه إحدى النقاط التي ستساعدنا لاحقاً على فهم لماذا أعطى الجابري للبرهان مكانة خاصة، ولماذا وجد في ابن رشد نموذجاً للعقل القادر على إعادة ترتيب العلاقة بين العقل والتراث.

تاسعاً: مثال من التراث

لنأخذ مثالاً عاماً من التجربة الصوفية. قد يمر الإنسان بتجربة روحية عميقة، ويصفها باعتبارها لحظة كشف أو إدراك لحقيقة معينة. بالنسبة إلى صاحب التجربة، قد تكون هذه المعرفة يقينية وعميقة. لكن السؤال الذي يطرحه الباحث في المعرفة يختلف: هل يمكن نقل هذه المعرفة إلى شخص آخر بالطريقة نفسها؟ إذا كان الجواب: لا، لأنها تجربة شخصية خاصة، فنحن أمام نوع مختلف من المعرفة عن المعرفة التي يمكن بناء برهان عليها أمام الآخرين. وهنا لا ينبغي أن نحكم على التجربة بأنها «صحيحة» أو «خاطئة» من الناحية الدينية أو الروحية؛ فهذا ليس هو موضوع الجابري هنا. موضوعه هو: ما طبيعة هذه المعرفة؟ وكيف تشتغل داخل الثقافة؟ وهذا فرق منهجي بالغ الأهمية.

عاشراً: ماذا أضافت هذه القراءة إلى مشروع الجابري؟

بعد الحلقة الرابعة، كنا نعرف أن البيان يمثل نظاماً معرفياً. والآن أصبح لدينا نظام ثانٍ: العرفان. والمهم أننا بدأنا نرى أن الثلاثية الجابرية ليست مجرد تصنيف لأسماء أو تيارات فكرية بل إنها محاولة للإجابة عن سؤال أعمق:
– بأي طرق أنتج التراث العربي الإسلامي معرفته؟
– هل عن طريق النص واللغة؟
– أم عن طريق الكشف والباطن؟
– أم عن طريق العقل والاستدلال؟
ومن هنا تصبح الحلقة السادسة ضرورية. لأننا سننتقل من البيان والعرفان إلى البرهان. وهنا سندخل إلى شخصية مركزية في المشروع الجابري: ابن رشد ليس فقط باعتباره فيلسوفاً كبيراً، وإنما باعتباره عند الجابري نموذجاً لمحاولة بناء عقل برهاني قادر على محاورة التراث من داخله.

ماذا يمكن أن نتعلم اليوم؟

هذه الفقرة، كما اتفقنا منذ البداية، ليست إسقاطاً معاصراً على الجابري، وإنما نافذة قصيرة للتفكير انطلاقاً من الدرس الذي قدمه لنا.
الدرس الأول: أن المعرفة ليست دائماً من نوع واحد.
الدرس الثاني: أن علينا أن نسأل دائماً: كيف وصل صاحب الفكرة إلى النتيجة التي وصل إليها؟
الدرس الثالث: أن الاختلاف بين الأفكار لا يكفي لفهمها؛ بل ينبغي فهم قواعد إنتاجها.
الدرس الرابع: أن التمييز بين التجربة الشخصية والمعرفة القابلة للمناقشة المشتركة يساعدنا على فهم اختلاف أنظمة المعرفة.
الدرس الخامس: قبل أن نختلف مع فكرة، علينا أن نفهم النظام المعرفي الذي أنتجها.

وهكذا نكون قد قطعنا خطوة أخرى نحو قلب المشروع.


خاتمة الحلقة الخامسة

في الحلقة القادمة سنصل إلى البرهان وابن رشد، وعندما يصبح العقل قادراً على محاورة التراث. وهنا لن نسأل فقط: من هو ابن رشد؟ بل سنسأل السؤال الذي يهم الجابري أكثر: كيف حاول ابن رشد أن يجعل العقل البرهاني قادراً على مواجهة البيان والعرفان، وإعادة بناء العلاقة بين العقل والنقل؟ ومن هنا ستبدأ المرحلة الأكثر عمقاً في السلسلة: كيف يعمل العقل العربي من الداخل، وكيف تتصارع أنظمة المعرفة داخله؟

في الحلقة السادسة القادمة

ابن رشد والجابري: لماذا رأى الجابري في ابن رشد مشروعاً للمستقبل؟
– العقلانية الرشدية.
– العلاقة بين الدين والعقل.
– البرهان.
– لماذا جعل الجابري ابن رشد محوراً مهماً في مشروعه؟

صورة تعبيرية ترمز للنظام العرفاني عند الجابري، يظهر الانتقال من الظاهر إلى الباطن عبر الكشف الروحي.

e3lamia

"مؤسس ومدير منصة إعلامية (e3lamia). صحفي وباحث متخصص في الشؤون الدولية والتحليلات السياسية. خبرة تمتد لـ 10 سنوات في المجال الإعلامي الرقمي."

Related Posts

الكوفية الفلسطينية: رمز الصمود والتشبث بالأرض والهوية

من لباس الفلاح إلى أيقونة النضال العالمي بقلم: نزهة الإدريسي المملكة المغربية الكوفية الفلسطينية ليست مجرد قطعة قماش، بل أصبحت رمزًا ثقافيًا ووطنياً وإنسانياً يحمل عدة دلالات متراكمة عبر التاريخ.…

السلطة والشرعية في العقل السياسي العربي:كيف تُنتج الشرعية؟ البيعة، القوة، الدولة، الحاكم والجماعة(ح8)

الحلقة الثامنة: تحليل العلاقة بين الغلبة والمشروعية في مشروع الجابري بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا بعد أن انتقلنا في الحلقة السابقة من سؤال السلطة إلى سؤال الدولة، نصل…

0 0 الأصوات
تقييم المادة

اترك رد

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

You Missed

🔴 عاجل: الجزائر تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات رسمياً

  • من e3lamia
  • سبتمبر 11, 2026
  • 14 views
🔴 عاجل: الجزائر تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات رسمياً

الكوفية الفلسطينية: رمز الصمود والتشبث بالأرض والهوية

  • من e3lamia
  • سبتمبر 11, 2026
  • 14 views
الكوفية الفلسطينية: رمز الصمود والتشبث بالأرض والهوية

السلطة والشرعية في العقل السياسي العربي:كيف تُنتج الشرعية؟ البيعة، القوة، الدولة، الحاكم والجماعة(ح8)

  • من e3lamia
  • سبتمبر 7, 2026
  • 37 views
السلطة والشرعية في العقل السياسي العربي:كيف تُنتج الشرعية؟ البيعة، القوة، الدولة، الحاكم والجماعة(ح8)

وهم التأثير “Influence”: بين صخب الشهرة ورصانة التخصص الرقمي رؤية تكاملية في الأصول الشرعية والسلوك الرقمي الواعي

  • من e3lamia
  • سبتمبر 5, 2026
  • 111 views
وهم التأثير “Influence”: بين صخب الشهرة ورصانة التخصص الرقمي رؤية تكاملية في الأصول الشرعية والسلوك الرقمي الواعي

عندما يُساء استعمال السلطة — من الخطأ الإداري إلى صناعة الملف:كيف تتحول الأجهزة الرسمية إلى أدوات للكيّد والضغط؟

  • من e3lamia
  • سبتمبر 5, 2026
  • 164 views
عندما يُساء استعمال السلطة — من الخطأ الإداري إلى صناعة الملف:كيف تتحول الأجهزة الرسمية إلى أدوات للكيّد والضغط؟

المولد النبوي .. من جدل الاحتفال إلى معنى الاقتداء

  • من e3lamia
  • سبتمبر 3, 2026
  • 69 views
المولد النبوي .. من جدل الاحتفال إلى معنى الاقتداء
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x