من الاصطفاف حول التنظيم إلى الالتقاء حول القضيةجيل جديد يعيد تشكيل التفكير السياسي

قراءة في تحول الثقافة السياسية لدى الأجيال الجديدة

بقلم: نزهة الإدريسي

المملكة المغربية


لم تعد علاقة الشباب اليوم بالسياسة تشبه كثيرًا علاقة الأجيال السابقة بها. فالمسألة لا تتعلق فقط باختلاف الأعمار أو بتعاقب الأجيال، وإنما بتحول أعمق يمس طريقة التفكير السياسي نفسها.

وللمزيد من التحليلات السياسية والمجتمعية، زوروا موقعنا e3lamia.com.

رسم توضيحي يرمز لجيل جديد من الشباب يلتقي حول قضية مشتركة رغم اختلاف اتجاهاتهم، مع رموز للحوار والوحدة الوطنية.

من “ماذا يقول التنظيم؟” إلى “ماذا أرى أنا؟”

كان جيل الأمس يتحرك، في جانب كبير منه، داخل أطر حزبية وتنظيمية واضحة. وكان الانتماء إلى التنظيم يعني قدرًا كبيرًا من الالتزام بمواقفه وخطابه، حتى في القضايا التي تتجاوز حدود الحزب أو التنظيم. ولذلك كان السؤال الضمني في كثير من الأحيان: “ماذا يقول التنظيم؟”

أما اليوم، فقد أصبح الشاب أكثر استقلالًا في تكوين موقفه والتعبير عنه. لم يعد الحزب أو التنظيم هو الوسيط الوحيد بين الفرد والقضية، وأصبح بإمكانه أن يقرأ ويقارن ويتابع مصادر متعددة، ثم يقول: “ماذا أرى أنا؟”

في ماذا تجمعنا القضية؟

التحول الأهم لا يكمن في الاستقلال عن التنظيم فقط، وإنما في السؤال الثالث: في ماذا تجمعنا القضية؟
فقد أصبح من الممكن أن نرى أشخاصًا ينتمون إلى اتجاهات سياسية وفكرية مختلفة، وربما متعارضة، يقفون معًا حول قضية مشتركة، من دون أن يعني ذلك أنهم أصبحوا متفقين في كل شيء.

وهنا تظهر نقلة مهمة في الثقافة السياسية: الاختلاف في الوسيلة لم يعد بالضرورة يعني الاختلاف حول الغاية. يمكن أن نختلف حول كيفية إدارة قضية ما، أو حول أدوات الوصول إلى الهدف، أو حول الأولويات، لكن ذلك لا يمنع أن نلتقي حول الهدف نفسه.

تجاوز صراع الأجيال وإعادة تعريف الدور

هذه الظاهرة تتجاوز فكرة «صراع الأجيال». فجيل اليوم لا يعلن بالضرورة أن الجيل السابق كان مخطئًا، وإنما يبدو أنه يتحرك نحو نمط مختلف من التفكير السياسي؛ نمط لا يلغي التنظيمات، لكنه لا يسمح لها بأن تصبح أكبر من القضايا التي نشأت من أجلها.

الدروس من القضية الفلسطينية

وفي الحالة الفلسطينية مثلًا، تبدو هذه المسألة شديدة الدلالة. فالقضية الفلسطينية أوسع من الفصائل، والاختلاف بين الفصائل حول الوسائل لا ينبغي أن يحجب وحدة الغاية. وحين تصبح الخلافات التنظيمية أقوى من القضية ذاتها، يمكن أن يتحول الاختلاف الطبيعي حول الطريق إلى صراع يستهلك أصحاب القضية بدل أن يخدمها. يمكن متابعة تفاصيل القضية عبر موقع الأمم المتحدة للشؤون الفلسطينية.

أما الوعي الجديد فيقوم على فكرة أكثر مرونة: يمكن أن أختلف معك في الطريق، وألتقي معك في الوجهة.

من سؤال الهوية التنظيمية إلى سؤال الالتقاء

وهذه ربما هي إحدى أهم التحولات التي تقود إليها الأجيال الجديدة: الانتقال من سؤال «من أي تنظيم أنت؟» إلى سؤال «في ماذا يمكن أن نلتقي؟».
إنها ليست دعوة إلى إلغاء الأحزاب والتنظيمات، فالتنظيم ضروري للعمل السياسي، وإنما إلى إعادة وضعه في مكانه الطبيعي: وسيلة لخدمة القضية، وليس إطارًا يحتكرها.

الثورة الهادئة في التفكير السياسي

لذلك ربما لا يكون الأدق أن نقول إن جيل اليوم أكثر وعيًا من جيل الأمس، وإنما يمكن القول إنه أكثر استقلالًا في التعبير، وأكثر قدرة على تجاوز الحدود التنظيمية، وأكثر استعدادًا للبحث عن المساحات المشتركة.

والتحدي الحقيقي هو أن يتحول هذا الاستقلال إلى وعي، وأن يتحول الاختلاف إلى تنوع، وأن يتحول التنوع إلى قدرة على التلاقي.
فإذا كان جيل الأمس يسأل: ماذا يقول التنظيم؟
فإن جيل اليوم أصبح يسأل: ماذا أرى أنا؟
ثم يضيف السؤال الأهم: وماذا تجمعنا عليه القضية؟

وربما هنا تحديدًا تكمن ملامح الثورة الهادئة في التفكير السياسي: من الاصطفاف حول التنظيم إلى الالتقاء حول القضية، ومن الصراع حول الوسيلة إلى الاتفاق حول الغاية.

e3lamia

"مؤسس ومدير منصة إعلامية (e3lamia). صحفي مستقل بتركيا. خبرة تمتد لـ 10 سنوات في مجال الإعلام الرقمي."

Related Posts

قانون المالية بالمغرب: أين تنتهي الوعود وتبدأ المحاسبةمن تدبير الاعتمادات إلى قياس النتائج واستمرارية المسؤولية

قراءة تحليلية في أدوات قياس الأداء ومؤشرات الحكامة وآليات المساءلة بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ (RACHID MRITAKH) باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا الاستباقية مقدمة احترازية وتوضيحية يندرج هذا المقال في إطار…

احتجاجات جيل زد (Z) في فرنسا: هل تكشف أزمة التعليم التقليدي فجوة الاستجابة لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي؟

من أزمة الثقة والإنصاف إلى رهانات المعرفة والعمل ومستقبل الأجيال بقلم: الدكتورة دنيا تامري (Dr. Dounia Tamiri) باحثة أكاديمية بينية تعنى بتقاطعات الاقتصاد الإسلامي وعلم النفس التربوي والذكاء الاصطناعي، مهتمة…

اترك رد

You Missed

رئاسة فاطمة الزهراء المنصوري: انتصار للمرأة أم لتكافؤ الفرص؟

  • من e3lamia
  • أكتوبر 30, 2026
  • 21 views
رئاسة فاطمة الزهراء المنصوري: انتصار للمرأة أم لتكافؤ الفرص؟

قانون المالية بالمغرب: أين تنتهي الوعود وتبدأ المحاسبةمن تدبير الاعتمادات إلى قياس النتائج واستمرارية المسؤولية

  • من e3lamia
  • أكتوبر 29, 2026
  • 105 views
قانون المالية بالمغرب: أين تنتهي الوعود وتبدأ المحاسبةمن تدبير الاعتمادات إلى قياس النتائج واستمرارية المسؤولية

🔴 عاجل: اليوم الرابع للعملية الإسرائيلية في الخليل.. نزوح قسري لـ 290 عائلة وحصار خانق

  • من e3lamia
  • أكتوبر 26, 2026
  • 115 views
🔴 عاجل: اليوم الرابع للعملية الإسرائيلية في الخليل.. نزوح قسري لـ 290 عائلة وحصار خانق

احتجاجات جيل زد (Z) في فرنسا: هل تكشف أزمة التعليم التقليدي فجوة الاستجابة لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي؟

  • من e3lamia
  • أكتوبر 26, 2026
  • 125 views
احتجاجات جيل زد (Z) في فرنسا: هل تكشف أزمة التعليم التقليدي فجوة الاستجابة لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي؟

انتخابات الكنيست 2026: هل يغيّر ارتفاع المشاركة العربية موازين القوىويُضعف فرص نتنياهو في تشكيل الحكومة؟

  • من e3lamia
  • أكتوبر 25, 2026
  • 53 views
انتخابات الكنيست 2026: هل يغيّر ارتفاع المشاركة العربية موازين القوىويُضعف فرص نتنياهو في تشكيل الحكومة؟

محاربة الفساد في البرنامج الحكومي المغربي 2026–2031:من الالتزام السياسي إلى بناء منظومة فعالة للنزاهة

  • من e3lamia
  • أكتوبر 21, 2026
  • 212 views
محاربة الفساد في البرنامج الحكومي المغربي 2026–2031:من الالتزام السياسي إلى بناء منظومة فعالة للنزاهة