قراءة في تشابك المصالح العالمية وأبعاد الكتابة الوطنية الجديدة
بقلم: نزهة الإدريسي
أستاذة باحثة وكاتبة صحفية – المملكة المغربية
ليست المشكلة في أن نكتب عن قضية وطنية، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معها. ففي عالم تتشابك فيه المصالح وتتداخل فيه الجغرافيا بالسياسة، لم تعد هناك قضايا وطنية خالصة؛ إذ لكل قضية امتدادات خارجية، ولكل حدث صدى قد يعود أثره إلى الداخل.
وللمزيد من التحليلات الجيوسياسية، زوروا موقعنا e3lamia.com.

حدود الجغرافيا الضيقة مقابل التشابك العالمي
هناك كتّاب يتناولون القضايا الوطنية ويبقون حبيسي جغرافيتها الضيقة، فيرصدون ما يحدث داخل الوطن وكأن القضية تنتهي عند حدوده. هذا دون أن ندخل في النوايا وفكرة المؤامرة أو المتاجرة، لأن هناك أقلاماً مأجورة أو انتهازية تحاول توطين القضية داخل جغرافيا محددة من أجل تسهيل التعامل معها بما يستجيب لأغراض أو مشاريع سياسية قد تضر بموطنها وتعقد تسويتها بالطريقة الأمثل.
إن العالم اليوم تغيّر، ولم تعد هناك، بالمعنى السياسي والاستراتيجي، قضايا وطنية خالصة يمكن فصلها تمامًا عن محيطها. فكل قضية، مهما بدا شأنها داخليًا أو وطنيًا، لها امتدادات خارجية، ومصالح تتقاطع حولها، وصدى قد يعود إلى الوطن فيؤثر في واقعه ومستقبله.
من المثال الفلسطيني إلى الثغرين المحتلين
ولعل القضية الفلسطينية مثال واضح على ذلك؛ فما يحدث داخل جغرافيتها لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، ولا عن مواقف القوى الكبرى وتوازناتها ومصالحها. يمكن متابعة تفاصيل القضية عبر موقع الأمم المتحدة للشؤون الفلسطينية.
وكذلك قضية سبتة ومليلية، التي ينظر إليها الرأي العام المغربي باعتبارها قضية وطنية، لا يمكن للكاتب اليوم أن يتعامل معها باعتبارها مجرد ملف ثنائي بين المغرب وإسبانيا؛ فموقعها وتقاطعاتها السياسية والأمنية والاقتصادية تجعلها جزءا من شبكة أوسع من الحسابات الجيوسياسية التي تشمل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.
مسؤولية الكاتب: الخروج إلى جغرافية الصدى
وهنا تكمن مسؤولية الكاتب: أن يخرج من جغرافية القضية إلى جغرافية الصدى. فليس المطلوب أن يتخلى عن البعد الوطني، بل أن يفهمه بصورة أوسع؛ أن يربط ما يحدث في الداخل بما يتحرك خارجه، وأن يقرأ تأثير المتغيرات الدولية والإقليمية في القضايا الوطنية، كما يقرأ في المقابل تأثير تلك القضايا في محيطها.
لقد أصبح الوطن نفسه جزءًا من عالم متشابك، ولذلك فإن الدفاع عن القضايا الوطنية وفهمها لم يعد يقتصر على معرفة تاريخها وجغرافيتها، وإنما يتطلب قراءة المصالح والتحالفات وموازين القوى التي تحيط بها.
“فالكاتب الذي يبقى داخل حدود القضية قد يصف الحدث، أما الكاتب الذي يلاحق صداه فيستطيع أن يفهم دلالاته ومساراته المحتملة.”
الكتابة الوطنية الجديدة
وهذه هي الكتابة الوطنية الجديدة: ليست كتابةً تنغلق على الوطن، وإنما كتابة تنطلق منه، ثم تنظر إلى العالم الذي يؤثر فيه ويتأثر به. إنها كتابة تدرك أن السيادة لا تُبنى بالعزلة، بل بالفهم العميق لشبكة المصالح المعقدة التي تحكم عالمنا المعاصر.






