الاقتصاد السلوكي وصناعة النزعة الاستهلاكية في عصر «الترند»:كيف يوجّه الإعلام الرقمي اختياراتنا؟

قراءة اقتصادية رقمية في ضوء الضوابط الإسلامية والقانونية

بقلم: الدكتورة دنيا تامري
باحثة أكاديمية بينية تشتغل على تقاطعات الاقتصاد والفكر الإسلامي والتواصل والإعلام الحديث وعلم النفس والذكاء الاصطناعي، مهتمة بتحليل السلوك الإنساني والقيمي وآليات تشكيل الوعي الجمعي في الفضاء الرقمي.


كم مرة دخلت إلى هاتفك تبحث عن معلومة سريعة أو تتصفح لمجرد الترويح عن نفسك، لتجد بعد دقائق معدودة أن انتباهك مشدود بالكامل إلى منتج لم تكن تفكر فيه من قبل، ويدك تقترب خطوة بخطوة من زر الدفع؟

في نماذج مؤثرة من النظرية الاقتصادية التقليدية، تعلّمنا أن الإنسان مستهلك رشيد، يحسب نفقاته بالورقة والقلم، ويوازن بين المنفعة والسعر قبل أن يخرج درهماً واحداً من جيبه، سعياً إلى تحقيق أكبر منفعة ممكنة. لكن الواقع اليوم يخبرنا بقصة مختلفة؛ فنحن كائنات بشرية لا تتخذ قراراتها دائماً بحسابات عقلانية متأنية، بل تخضع لما يُعرف بـ«العقلانية المقيدة»، وهو مفهوم ارتبط بأعمال الاقتصادي هربرت سايمون، ويعني أن اختياراتنا تتأثر بحدود معرفتنا وقدرتنا على معالجة المعلومات، فضلاً عن مشاعر اللحظة وما يحيط بنا من مؤثرات اجتماعية وتصاميم رقمية معدّة بعناية.

هنا تلتقي مسارات تعيد تشكيل مشهدنا الاستهلاكي المعاصر: علم الاقتصاد السلوكي الذي يستعين بعلم النفس لفهم طريقة اتخاذ الإنسان قراراته الاقتصادية، والخوارزميات التي تحلل أنماط تفاعله واهتماماته، وثقافة «الترند» التي تحوّل الفكرة العادية إلى تيار جماعي واسع الانتشار، وصولاً إلى الضوابط القانونية المعاصرة وقواعد الاقتصاد الإسلامي التي تسعى إلى حماية إرادة المستهلك، وصون ماله، وتعزيز الشفافية والعدالة في المعاملات.

وللمزيد من القراءات البينية، زوروا موقعنا e3lamia.com.

رسم توضيحي يدمج بين عناصر التسوق الرقمي، الدماغ البشري، والميزان الإسلامي، يرمز لتحليل الاقتصاد السلوكي والضوابط الشرعية، مع صورة الدكتورة دنيا تامري.

أولاً: من الحاجة الحقيقية إلى الرغبة المصنوعة: كيف يخاطب «الترند» عقولنا؟

لا يقتصر «الترند» على كونه مجرد انتشار سريع لمقطع فيديو أو صورة عابرة؛ بل أصبح مؤثراً اقتصادياً ونفسياً بالغ القوة، يستفيد من ميول بشرية طبيعية قد لا ننتبه إليها أثناء اتخاذ قراراتنا.

من أبرز هذه الميول ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ«الدليل الاجتماعي»؛ فحين نرى آلاف المتفاعلين يشيدون بمنتج معين، نميل أحياناً إلى اعتباره دليلاً على جودته، حتى قبل التحقق من خصائصه الفعلية. ففي حالات التردد، يميل الإنسان إلى الاستئناس باختيارات الآخرين توفيراً للجهد الذهني، وهو أحد مبادئ التأثير الاجتماعي التي تناولها روبرت سيالديني في دراساته حول سيكولوجية الإقناع.

ويتضاعف هذا الأثر بما بات يُعرف بـ«الخوف من فوات الفرصة» (FOMO)، وهو الشعور بأن الآخرين يعيشون تجربة قد نفقدها إن لم نلتحق بهم سريعاً. وقد يتفاعل هذا الشعور مع ما يسميه الاقتصاد السلوكي «النفور من الخسارة»، أي ميل الإنسان إلى التأثر بالخسارة المحتملة أكثر من تأثره بمكسب مماثل. وهكذا قد يسارع المستهلك إلى اقتناء منتج لا بدافع الحاجة الفعلية إليه، بل خوفاً من تفويت تجربة رائجة أو شعوراً بأنه أصبح خارج دائرة الاهتمام الاجتماعي.

ولا يتوقف الأمر عند حدود الاستخدام العملي، بل يتحول المقتنى أحياناً إلى وسيلة للتعبير عن المكانة والصورة الاجتماعية؛ فلا تُشترى السلعة لخصائصها الوظيفية فحسب، وإنما لما توحي به من تميز أو انتماء إلى فئة معينة. وفي ذلك استعادة معاصرة لما وصفه الاقتصادي تورستين فيبلين منذ نهاية القرن التاسع عشر بـ«الاستهلاك الوجاهي»، لكن في صور جديدة تصنعها الشاشات وتغذيها منصات التواصل الاجتماعي.

بهذه المؤثرات، تضيق المسافة تدريجياً بين «الحاجة الحقيقية» التي تستجيب لمتطلبات الحياة وأولويات الفرد، و«الرغبة المصنوعة» التي يعززها التكرار الرقمي والمقارنة المستمرة بالآخرين.

وتشير مراجعات علمية حول الشراء الاندفاعي عبر الإنترنت، من بينها دراسة تشان وزملائه المنشورة سنة 2017 في دورية Information & Management، إلى أن خصائص بيئة التسوق الإلكتروني والمؤثرات النفسية والاجتماعية تؤدي دوراً مهماً في تحفيز قرارات الشراء غير المخطط لها. كما أبرزت دراسة تشانغ وزملائه سنة 2018 أثر التقييمات الإلكترونية والتصفح في تعزيز الرغبة في الشراء الاندفاعي.

وهنا يبرز السؤال الاقتصادي الأهم: هل نشتري لأن السلعة تستجيب لحاجة قائمة، أم لأن البيئة الرقمية نجحت في إقناعنا بأننا بحاجة إليها؟

ثانياً: هندسة القرار الرقمي: ما الذي يدور خلف الواجهات البراقة؟

لم تعد الإعلانات الرقمية كلوحات الشوارع العامة التي تخاطب جميع المارة بعبارة واحدة؛ بل أصبحت جزءاً من منظومات قادرة على تحليل التفاعلات وتخصيص العروض وترتيب الخيارات أمام المستهلك.

وهنا يحضر مفهوم «هندسة بيئة الاختيار» الذي اشتهر في أعمال ريتشارد ثالر وكاس سنستين، ويقصد به الطريقة التي تُنظَّم بها البدائل وتُعرض أمام الأفراد، بما قد يؤثر في قراراتهم دون أن يُفرض عليهم اختيار بعينه.

وفي البيئة الرقمية، تبدأ العملية أحياناً من التقاط الاهتمامات الرائجة وتحليل التفاعل معها، ثم توظيف الخوارزميات في تخصيص المحتوى الإعلاني وترتيب المنتجات، وصولاً إلى تشكيل سياق نفسي واجتماعي قد يشجع المستهلك على اتخاذ قرار سريع، خاصة حين تُستخدم أساليب الإلحاح أو المقارنة الاجتماعية أو الإيحاء بندرة العرض.

وتعتمد هذه الهندسة على تقنيات نفسية وبرمجية متعددة، من أبرزها:

1. التخصيص الفائق واقتصاد الانتباه:

تستفيد المنصات الرقمية من بيانات التصفح والتفاعل، مثل مدة مشاهدة المحتوى ونوعية المنشورات المفضلة والمنتجات التي يبحث عنها المستخدم، لبناء تقديرات عن اهتماماته وتفضيلاته.
وبناءً على ذلك، يمكن توجيه عروض إعلانية تتناسب مع ما يُرجَّح أنه يثير اهتمامه، فتزداد فرص تفاعله معها. ولا يعني ذلك أن الخوارزميات تعرف بالضرورة الحالة النفسية الدقيقة لكل شخص، لكنها تستطيع الاستفادة من آثار سلوكه الرقمي للتنبؤ ببعض اختياراته.
وهنا تبرز قيمة الانتباه بوصفه مورداً اقتصادياً تتنافس المنصات والمعلنون على استقطابه وتحويله إلى فرص تجارية.

2. الارتساء السعري والندرة المفتعلة:

عندما يوضع سعر أولي مرتفع ومشطوب بجانب سعر أقل، فقد يتحول السعر الأول إلى ما يشبه «المرساة الذهنية» التي يقيس المستهلك على أساسها جاذبية العرض.
وإذا أُضيفت إلى ذلك عدادات تنازلية ورسائل من قبيل «بقيت قطعتان فقط» أو «العرض ينتهي خلال دقائق»، فقد يتولد ضغط نفسي يدفع إلى الشراء قبل التحقق من الحاجة الفعلية أو مقارنة الأسعار.
وليست كل تخفيضات الأسعار أو عروض المدة المحدودة مضللة بطبيعتها؛ إنما تظهر المشكلة عندما تكون الندرة وهمية، أو يكون السعر المرجعي غير حقيقي، أو يُستخدم الاستعجال المصطنع لمنع التفكير المتأني.

3. الأنماط التجارية المظلمة (Dark Patterns):

وهي تصاميم أو ممارسات رقمية قد تدفع المستخدم إلى قرارات لم يكن ليتخذها لو عُرضت عليه الخيارات بصورة واضحة ومتوازنة.
وقد حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، في تقريرها الصادر سنة 2022، من هذه الممارسات التي يمكن أن تتخذ أشكالاً متعددة؛ كجعل الاشتراك في الخدمة سهلاً، بينما يصبح إلغاؤه معقداً، أو إخفاء تكاليف إضافية حتى المرحلة الأخيرة من الدفع، أو إبراز خيار الشراء على نحو مضلل مقارنة بخيار الرفض.
وتكمن خطورتها في أنها لا تؤثر فقط في رغبة المستهلك، بل قد تمس قدرته على اتخاذ قرار حر ومستنير.

4. إعلانات المؤثرين والتضليل المستتر:

حين يعرض صانع المحتوى سلعة وسط يومياته العفوية دون توضيح وجود علاقة تجارية مع الجهة المعلنة، قد يستقبل المتابع ذلك الترويج بوصفه نصيحة شخصية محايدة من شخص يثق به.
وهنا تختلط الثقة الاجتماعية بالمصلحة التجارية، ويصبح من الصعب على المستهلك التمييز بين التجربة المستقلة والإعلان المدفوع.
ولهذا أكدت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC)، في إرشاداتها المحدّثة سنة 2023، أهمية الإفصاح الواضح عن العلاقات التجارية أو المادية التي قد تؤثر في تقييم الجمهور للتوصيات والإعلانات.
والواقع أن هذه الممارسات تطرح إشكالاً يتجاوز مهارات التسويق أو فعالية الإعلان؛ إذ يتعلق بحدود التأثير المشروع في المستهلك، وبالفرق بين إقناعه بقيمة حقيقية وبين استغلال نقاط ضعفه النفسية لدفعه إلى الشراء.

ثالثاً: نحو مقاربة تكاملية: حماية المستهلك بين ضوابط الاقتصاد الإسلامي والنصوص القانونية

أمام هذا التدفق المنظم للمؤثرات الرقمية، لا يكفي الرهان على حذر المستهلك بمفرده؛ بل تبرز الحاجة إلى مقاربة تجمع بين حماية القانون، ووعي الفرد، والضوابط الأخلاقية والاقتصادية التي تضمن نزاهة المعاملات.

وفي هذا السياق، يقدم الاقتصاد الإسلامي جملة من المبادئ التي لا تقتصر على الجانب الوعظي، بل تمتد إلى تنظيم العلاقات التعاقدية وحماية الأموال والحد من الممارسات التي تخل بعدالة التبادل والثقة في السوق.

1. اشتراط التراضي وسلامة الإرادة:

يقرر القرآن الكريم أصلاً مهماً في المعاملات المالية، في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
والتراضي في المعاملات ليس مجرد موافقة ظاهرية، بل يرتبط بسلامة الإرادة من العيوب المؤثرة، كالتدليس والتغرير وإخفاء المعلومات الجوهرية.
وإذا نقلنا هذا المبدأ إلى البيئة الرقمية، وجدنا أنفسنا أمام سؤال بالغ الأهمية: هل تكفي نقرة الموافقة لإثبات حرية الاختيار، إذا كانت المعلومات الأساسية مخفية أو كانت الواجهة مصممة بطريقة مضللة؟
ولا يعني ذلك أن كل أسلوب إقناع تسويقي يفسد الرضا، فالإعلان المشروع جزء من النشاط الاقتصادي؛ وإنما يقتضي الأمر التمييز بين التأثير الذي يساعد المستهلك على التعرف إلى المنتج، والتلاعب الذي يضلله أو يحجب عنه حقائق مؤثرة في قراره.

2. الحق في البيان ومنع الكتمان:

يضع الهدي النبوي الشريف الصدق والبيان في صميم العلاقة بين البائع والمشتري، ففي الحديث الصحيح:
«البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» (صحيح البخاري، رقم 2079).
وهذا المبدأ يحمل بعداً اقتصادياً واضحاً؛ فالسوق لا تستقيم عندما يمتلك البائع معلومات جوهرية عن السلعة لا يستطيع المشتري الوصول إليها.
ويسمي الاقتصاديون هذه الحالة «عدم تماثل المعلومات»، أي تفاوت المعرفة بين طرفي المعاملة. وقد يستفيد الطرف الأكثر اطلاعاً من هذا التفاوت لتحقيق مصلحة على حساب الطرف الآخر.
ومن هنا، فإن اشتراط الصدق والبيان في الاقتصاد الإسلامي لا يمثل قيمة أخلاقية مجردة، بل يسهم أيضاً في حماية الثقة بين المتعاملين، والحد من التضليل، وتحسين قدرة المستهلك على المقارنة والاختيار.
فالإفصاح عن خصائص السلعة وتكاليفها وشروط بيعها ليس تفضلاً من البائع، وإنما واجب يرتبط بنزاهة المعاملة وسلامة السوق.

3. النهي عن النجش وتزييف الطلب:

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النجش، كما ورد في صحيح البخاري، رقم 2142.
والنجش في المعاملات هو رفع ثمن السلعة أو إظهار الرغبة في شرائها بقصد خداع الآخرين ودفعهم إلى تقديم سعر أعلى.
وفي الفضاء الرقمي، نجد ممارسات يمكن إلحاقها بهذا المعنى من جهة الخداع وتزييف الإقبال، مثل شراء تقييمات وهمية أو اصطناع تعليقات إيجابية توحي للمستهلك بأن المنتج يحظى بإقبال حقيقي واسع.
فهذه الممارسات لا تضلل المشتري وحده، بل تفسد الإشارات التي يعتمد عليها الناس في تقدير جودة المنتجات والطلب عليها.
وبذلك يمكن النظر إلى النهي عن النجش، في تطبيقاته الرقمية المعاصرة، بوصفه أحد الضوابط التي تسهم في حماية نزاهة المنافسة والثقة في السوق.

4. مقصد حفظ المال ورشد الاستهلاك:

يقوم الاقتصاد الإسلامي على اعتبار المال مورداً له قيمة ومسؤولية، ولذلك احتل حفظ المال مكانة أساسية ضمن مقاصد الشريعة.
ويتصل بهذا المقصد النهي عن الإسراف والتبذير، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: 26].
ولا تعني هذه الضوابط منع الاستمتاع بالمباحات أو التضييق على حرية الاستهلاك، وإنما تهدف إلى تحقيق التوازن بين الحاجات والرغبات والإمكانات المالية، حتى لا يتحول الإنفاق إلى استجابة مستمرة لضغوط اجتماعية أو إعلانية عابرة.
وتبرز أهمية هذا المنظور في عصر «الترند»، حين تصبح بعض المشتريات مرتبطة بالرغبة في التقليد أو إثبات المكانة، أكثر من ارتباطها بالحاجة أو المنفعة الفعلية.
ومن الناحية الاقتصادية، يساعد ترشيد الاستهلاك على حماية ميزانية الأسرة، وتحديد الأولويات، وتجنب الإنفاق الذي قد يثقل كاهل المستهلك دون أن يضيف قيمة حقيقية إلى حياته.
وهكذا يلتقي مقصد حفظ المال مع بعض أهداف الاقتصاد السلوكي المعاصر، خاصة تلك التي تسعى إلى تحسين جودة القرار الاقتصادي والحد من آثار الاندفاع والتحيزات النفسية.

5. الامتداد التشريعي والقانوني المعاصر:

تتقاطع هذه الضوابط مع أهداف عدد من التشريعات الحديثة الرامية إلى حماية المستهلك من التضليل وضمان شفافية المعاملات، وإن اختلفت مرجعياتها وأساليب تطبيقها.
فقد تناول «قانون الخدمات الرقمية الأوروبي» (DSA)، الصادر سنة 2022، في مادته 25 مسألة تصميم الواجهات الرقمية التي قد تخدع المستخدم أو تتلاعب باختياراته، ضمن النطاق المحدد لتطبيق هذه المادة. كما نظمت المادة 26 متطلبات الشفافية الإعلانية، بما فيها إظهار الطبيعة الإعلانية للمحتوى وتوفير معلومات عن أبرز معايير استهداف المتلقي. وتناولت المادة 27 شفافية أنظمة التوصية بالمحتوى.

أما في المغرب، فقد أرسى القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك مجموعة من الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الإعلام الواضح، وحماية المصالح الاقتصادية للمستهلك، والحق في التراجع في الحالات التي يحددها القانون.
وتنص المادة 36، في الأصل، على أجل سبعة أيام لممارسة حق التراجع في العقود المبرمة عن بعد، مع مراعاة الشروط والاستثناءات القانونية، وهو ما يمنح المستهلك فرصة لمراجعة قراره بعيداً عن ضغط اللحظة الأولى للشراء.

وهنا تتضح أهمية التكامل بين الضوابط الإسلامية والقانونية؛ فالأولى تعزز المسؤولية الأخلاقية والاقتصادية في المعاملات، والثانية تضع قواعد ملزمة وآليات لحماية الحقوق، وكلاهما يمكن أن يسهم، من موقعه الخاص، في تعزيز شفافية السوق وحماية حرية الاختيار.

رابعاً: بوصلة سلامة القرار الاستهلاكي الرقمي: كيف تزن قرارك قبل إتمام الشراء؟

لكي يتحول هذا الفهم النظري إلى وقاية يومية تحمي ميزانيتك وسلامة اختيارك أمام الشاشات، يمكن اقتراح «بوصلة سلامة القرار الاستهلاكي الرقمي»، وهي إطار توعوي يقوم على ستة أبعاد مترابطة، تساعد المستهلك على مراجعة قراره قبل إدخال بيانات بطاقته البنكية أو تأكيد طلب الشراء.

يبدأ التحقق بـصدق الادعاء، بالنظر في مزايا المنتج وما إذا كانت حقيقية ومنطقية وقابلة للإثبات، أم مجرد وعود براقة لا تستند إلى معلومات موثوقة.
ويتصل بذلك مباشرة وضوح التفاصيل، من خلال التأكد من بيان السعر النهائي وتكاليف الشحن وشروط الاسترجاع والضمان، حتى لا يفاجأ المشتري برسوم أو التزامات لم تكن ظاهرة عند بداية التصفح.
ثم يأتي دور الإفصاح التجاري، بالسؤال عما إذا كان المؤثر يعرض السلعة بناءً على تجربة مستقلة، أم في سياق رعاية تجارية أو علاقة مادية ينبغي الكشف عنها بوضوح، حتى يستطيع المتابع تقييم التوصية على أساس صحيح.
أما البعد الرابع، فهو حرية الاختيار واستقلالية القرار، ويقتضي التأكد من إمكانية التفكير والمقارنة بهدوء، ومغادرة صفحة الشراء أو رفض العرض دون الوقوع تحت ضغط عدادات تنازلية مضللة أو إشعارات متلاحقة.
ويتمثل البعد الخامس في نزاهة التأثير النفسي، من خلال وقفة صريحة مع الذات: هل أريد هذا المنتج لأنه يستجيب لحاجة أو يحقق منفعة حقيقية، أم لأنني أخشى فوات «الترند» أو أرغب في مجاراة الآخرين؟
وتكتمل هذه البوصلة بالبعد السادس، وهو عدالة استخدام البيانات الشخصية، بالتفطن إلى كيفية جمع البيانات واستعمالها في تخصيص الإعلانات، ومدى وضوح خيارات الخصوصية والتحكم في التتبع والاستهداف، خاصة عندما تُستخدم المعلومات السلوكية للتأثير في قرارات المستهلك دون وعي كافٍ منه.

هذه الأبعاد الستة ليست حكماً مسبقاً على كل إعلان رقمي، ولا نموذجاً علمياً جرى اختباره بعد، بل هي إطار توعوي مقترح يجمع بين مبادئ الاقتصاد السلوكي وحماية المستهلك والضوابط القيمية، بهدف مساعدة الفرد على التمييز بين الاختيار الواعي والاستجابة لضغوط التأثير الرقمي.

خلاصة: استعادة زمام الاختيار

إن التقنية في ذاتها ليست شراً، والإعلان الرقمي يظل في جوهره وسيلة مشروعة ونافعة للتعريف بالمنتجات، وابتكار الحلول، وتنشيط الدورة الاقتصادية، وفتح فرص جديدة أمام المقاولات والمستهلكين. وإنما تبدأ الأزمة الحقيقية حين تُسخَّر المعرفة الدقيقة بسلوك الإنسان ونقاط ضعفه لتجاوز تفكيره الواعي وتوجيهه خلسة نحو استهلاك لا يخدم أولوياته المالية ولا يعكس حاجاته الحقيقية.

ولعل الدرس الأثمن في خضم هذا التدفق المتسارع هو أن استعادة زمام الاختيار لا تتطلب مقاطعة العالم الرقمي، بل امتلاك وعي نقدي يبطئ حركة الأصابع على الشاشات، ويمنح العقل فرصة للتفكير قبل الدفع.
فليس كل ما يتصدر «الترند» يستحق أن يتصدر أولوياتنا أو يستنزف مدخراتنا. والقرار الاقتصادي الرشيد يبدأ دائماً في تلك اللحظة الفاصلة التي نسأل فيها أنفسنا بهدوء:
هل نريد هذا الشيء حقاً لأننا بحاجة إليه، أم لأن الخوارزميات صممت البيئة لتجعلنا نعتقد ذلك؟

المراجع المعتمدة

أولاً: المصادر الشرعية والقانونية
  1. القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 29؛ سورة الإسراء، الآية 26.
  2. البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري، كتاب البيوع، الحديث رقم 2079 في الصدق والبيان في البيع، والحديث رقم 2142 في النهي عن النجش.
  3. المملكة المغربية. الظهير الشريف رقم 1.11.03 الصادر في 18 فبراير 2011 بتنفيذ القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، الجريدة الرسمية، العدد 5932، بتاريخ 7 أبريل 2011، ولا سيما المواد 29 و36 و38 و42.
  4. European Union. (2022). Regulation (EU) 2022/2065 on a Single Market for Digital Services (Digital Services Act), Articles 25–27. Official Journal of the European Union. رابط التشريع.
  5. Federal Trade Commission (FTC). (2023). Guides Concerning the Use of Endorsements and Testimonials in Advertising, 16 CFR Part 255.
ثانياً: المراجع العلمية والاقتصادية
  1. Cialdini, R. B. (2021). Influence: The Psychology of Persuasion (New and Expanded Edition). Harper Business.
  2. Kahneman, D., & Tversky, A. (1979). Prospect Theory: An Analysis of Decision under Risk. Econometrica, 47(2), 263–291.
  3. Simon, H. A. (1955). A Behavioral Model of Rational Choice. The Quarterly Journal of Economics, 69(1), 99–118.
  4. Thaler, R. H., & Sunstein, C. R. (2021). Nudge: The Final Edition. Penguin Books.
  5. Veblen, T. (1899). The Theory of the Leisure Class: An Economic Study of Institutions. Macmillan.
  6. OECD. (2022). Dark Commercial Patterns. OECD Digital Economy Papers, No. 336. OECD Publishing, Paris.
  7. Chan, T. K. H., Cheung, C. M. K., & Lee, Z. W. Y. (2017). The State of Online Impulse-Buying Research: A Literature Analysis. Information & Management, 54(2), 204–217.
  8. Zhang, K. Z. K., Xu, H., Zhao, S., & Yu, Y. (2018). Online Reviews and Impulse Buying Behavior: The Role of Browsing and Impulsiveness. Internet Research, 28(3), 522–543.

e3lamia

"مؤسس ومدير منصة إعلامية (e3lamia). صحفي وباحث متخصص في الشؤون الدولية والتحليلات السياسية. خبرة تمتد لـ 10 سنوات في المجال الإعلامي الرقمي."

Related Posts

احتجاجات جيل زد (Z) في فرنسا: هل تكشف أزمة التعليم التقليدي فجوة الاستجابة لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي؟

من أزمة الثقة والإنصاف إلى رهانات المعرفة والعمل ومستقبل الأجيال بقلم: الدكتورة دنيا تامري (Dr. Dounia Tamiri) باحثة أكاديمية بينية تعنى بتقاطعات الاقتصاد الإسلامي وعلم النفس التربوي والذكاء الاصطناعي، مهتمة…

بعد التصريح الحكومي، رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنيةمن أهداف البرنامج إلى إصلاح المدرسة من داخل القسم: أسئلة الحكامة والإنصاف واليقظة التربوية

لا إصلاح للتعلمات دون حكامة منصفة داخل المؤسسة بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ (RACHID MRITAKH) باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا الاستباقية إلى السيد محمد نبيل بنعبد الله، وزير التربية الوطنية والتكوين…

5 1 تصويت
تقييم المادة

اترك رد

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

You Missed

احتجاجات جيل زد (Z) في فرنسا: هل تكشف أزمة التعليم التقليدي فجوة الاستجابة لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي؟

  • من e3lamia
  • أكتوبر 26, 2026
  • 10 views
احتجاجات جيل زد (Z) في فرنسا: هل تكشف أزمة التعليم التقليدي فجوة الاستجابة لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي؟

انتخابات الكنيست 2026: هل يغيّر ارتفاع المشاركة العربية موازين القوىويُضعف فرص نتنياهو في تشكيل الحكومة؟

  • من e3lamia
  • أكتوبر 25, 2026
  • 13 views
انتخابات الكنيست 2026: هل يغيّر ارتفاع المشاركة العربية موازين القوىويُضعف فرص نتنياهو في تشكيل الحكومة؟

محاربة الفساد في البرنامج الحكومي المغربي 2026–2031:من الالتزام السياسي إلى بناء منظومة فعالة للنزاهة

  • من e3lamia
  • أكتوبر 21, 2026
  • 149 views
محاربة الفساد في البرنامج الحكومي المغربي 2026–2031:من الالتزام السياسي إلى بناء منظومة فعالة للنزاهة

بعد التصريح الحكومي، رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنيةمن أهداف البرنامج إلى إصلاح المدرسة من داخل القسم: أسئلة الحكامة والإنصاف واليقظة التربوية

  • من e3lamia
  • أكتوبر 20, 2026
  • 241 views
بعد التصريح الحكومي، رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنيةمن أهداف البرنامج إلى إصلاح المدرسة من داخل القسم: أسئلة الحكامة والإنصاف واليقظة التربوية

همسة إلى وزير التربية الوطنية الجديد بالمغرب:من إصلاح البرامج إلى إصلاح منظومة الإصلاح، ومن تدبير الفائض والخصاص إلى استعادة الاستقرار المهني

  • من e3lamia
  • أكتوبر 19, 2026
  • 214 views
همسة إلى وزير التربية الوطنية الجديد بالمغرب:من إصلاح البرامج إلى إصلاح منظومة الإصلاح، ومن تدبير الفائض والخصاص إلى استعادة الاستقرار المهني

زلزال الـ48 ساعة في الحكومة المغربية:القصة الكاملة لإعفاء مديحة خيير وثغرات منظومة التعيين

  • من e3lamia
  • أكتوبر 19, 2026
  • 274 views
زلزال الـ48 ساعة في الحكومة المغربية:القصة الكاملة لإعفاء مديحة خيير وثغرات منظومة التعيين
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x