بقلم: الدكتورة دنيا تامري
باحثة أكاديمية بينية في تقاطعات التواصل والإعلام الحديث، الاقتصاد الإسلامي، علم النفس الإكلينيكي، الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي
لم يعد مشهدا استثنائيا في البيوت المعاصرة أن يجلس فتى يافع إلى جوار والديه، وهو يقلب شاشته الذكية بأصابع سريعة تعرف خبايا التطبيقات وأسرار الخوارزميات، ويحاور أدوات الذكاء الاصطناعي لإنهاء واجباته المدرسية أو إشباع فضوله المعرفي، بينما يقف الوالدان على الضفة الأخرى حائرين أمام عالم تتسارع وتيرته كل يوم.
لقد أفرز هذا المشهد واقعا أسريا جديدا؛ فالأبناء اليوم لم يعودوا ينشؤون في فضاءات التنشئة التقليدية وحدها بين الأسرة والمدرسة، بل باتوا يحيون في بيئة رقمية متدفقة تلتحم فيها المعرفة بالترفيه، والرسائل الإعلانية بالتأثير السلوكي. وهنا يطرح السؤال التربوي الأكثر إلحاحا: كيف نقود ونوجه جيلا يتحرك في فضاء نجهل كثيرا من تفاصيله؟ وهل يعفي اتساع هذه الهوة التقنية الآباء من مسؤوليتهم الأساسية؟
وللمزيد من القراءات البينية للكاتبة دنياتامري، زوروا موقعنا e3lamia.com.

1. أصول التربية باقية وإن تغيرت الوسائل
لم تلغ الرقمنة ثوابت التربية الإنسانية؛ فالطفل، في كل عصر وحين، يظل في مسيس الحاجة إلى الدفء العاطفي، والقدوة الحية، والحوار الهادئ، والحدود الضامنة لأمنه النفسي والفكري. غير أن المتغير الحقيقي يكمن في المحيط الذي تجري فيه هذه التنشئة؛ إذ تزاحم المنصات وصناع المحتوى والذكاء الاصطناعي دور الوالدين في تلقين المفاهيم وصياغة الرؤى.
وهنا نقف أمام مفارقة شائعة تخدع كثيرا من الآباء: إن براعة الابن في استخدام الجهاز لا تعني أبدا نضجه الأخلاقي، وسرعته في استدعاء المعلومة لا تكسبه حكمة فحصها ونقدها، وسهولة تصفحه للتطبيق لا تقيه شرارات آثاره النفسية والاجتماعية. ومن ثم، فإن أسبقية الجيل الصاعد في فهم التقنية لا تبرر بأي حال انسحاب الوالدين من الميدان التربوي.
2. في معنى الوساطة الوالدية الرقمية
لا تعني الوساطة الرقمية تحول الوالد إلى حارس أمني يمارس التفتيش المتواصل، ولا تفرض على الأم أن تصبح مبرمجة تتقن تفاصيل الأنظمة والبرامج. إنما هي ببساطة: حضور واع وتشاركي للأبوين في عالم الأبناء الافتراضي، قوامه الفهم المتبادل، وبناء جسور الحوار، ورسم الضوابط المشتركة.
المقصد التربوي أعمق بكثير من الجانب التقني البحت؛ والمطلوب أن يفهم الوالدان طبيعة الفضاء المحيط بأبنائهما بالقدر الذي يمكنهما من رعايتهم وتوجيههم داخله. ولا ينبغي أن ينحصر انشغال الأسرة في السؤال النمطي: “كم ساعة قضيت أمام الشاشة؟”، بل يجب أن يرتقي إلى أسئلة النوعية والوعي: ماذا تتابع؟ ماذا تعلمت اليوم؟ ومن تصاحب في هذا الفضاء؟ وكيف تميز بين الغث والسمين من المحتوى؟
3. الفجوة التوليدية في عصر الذكاء الاصطناعي
ليست المسافة الفاصلة بين الجيلين مقتصرة على فارق المهارة التقنية، بل هي فجوة تتسع لتشمل لغة التخاطب، وأساليب البحث عن المعلومة، وتصورات النجاح والعلاقات، ومفهوم الخصوصية الفردية.
وقد عمقت تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي هذا التحدي؛ فالابن بات قادرا في بضع ثوان على استدعاء إجابة مصوغة ومنمقة لمعضلاته المدرسية أو تساؤلاته الخاصة. لذلك لم يعد الحوار التربوي يكتفي بطلب تقليص ساعات الاستخدام، بل صار لزاما أن نسأل: من أين استقيت هذا الجواب؟ وهل أخضعته للتفكير والنقد؟ وكيف استخدمت هذه الآلة الذكية لمساعدتك في الفهم لا للتفكير بدلا عنك؟ فالتربية اليوم تسعى إلى تعليم الأبناء كيف يحاورون عقول الآلات بحس نقدي يقظ، لا أن ينقادوا إليها في تسليم تام.
4. رعاية واعية في ضوء الأصول القيمية
إن هذه الرعاية، برغم ثوبها التكنولوجي الجديد، تستند إلى أصول تربوية راسخة في تراثنا القيمي. فالنبي صلى الله عليه وسلم وضع القاعدة الكلية لمسؤولية الإنسان حين قال: “كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته”. وهذه الرعاية ليست استبدادا أو تضييقا، بل تتطلب وعيا ورفقا؛ انطلاقا من التوجيه النبوي الشريف: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه”، وقوله: “من لا يرحم لا يرحم”.
وحين نستحضر هذه المبادئ في الفضاء الرقمي، ندرك أن الطفل الذي يخاف العقاب الصارم سيميل حتما إلى كتمان أخطائه الافتراضية، في حين أن الطفل الذي يجد في بيته ملاذا آمنا للحوار والرحمة، سيكون أسرع إلى طلب مساندة والديه عند مواجهة أي ابتزاز أو محتوى مريب. ومن هنا تغدو الوساطة علاقة ثقة وتوجيه، لا منظومة عقاب وتجسس.
5. تأهيل الوالدين أولا قبل الأبناء
كثيرا ما يدور الجدل التربوي حول تدابير تقييد الطفل: متى نمنحه الهاتف؟ وأي التطبيقات نحجب؟ لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يسبق ذلك هو: هل يمتلك الوالدان أنفسهما الرصيد المعرفي الكافي للقيام بهذه المهمة؟
لا نطلب من المربي أن يسبق ابنه في المهارة التشغيلية، بل أن يتسلح بوعي كاف بطبيعة المخاطر الرقمية وآليات التعامل معها؛ فالوعي الوالدي يرفع تلقائيا من فاعلية التوجيه وجودة الحوار داخل البيت.
يضاف إلى ذلك ركن أساسي لا غنى عنه: القدوة السلوكية. فمن التناقض التربوي أن نطالب الأبناء بترك هواتفهم بينما تلازم الشاشات أيدي الآباء في جلسات السمر، وعلى موائد الطعام، وفي لحظات الحديث الأسري. إن التزام المربي بنمط رقمي متوازن في حياته اليومية هو الدرس العملي الأول الذي يتعلمه الفتى قبل أن نوجه إليه كلمة واحدة.
6. خطوات عملية نحو شراكة أسرية ناجحة
لكي تتحول الوساطة الوالدية إلى مسار مثمر داخل الأسرة، يحسن بنا تفعيل خطوات عملية واضحة:
– الفهم قبل الحكم: أن يتعرف الوالدان على اهتمامات الأبناء والمنصات التي يرتادونها، دون إطلاق أحكام جاهزة وتعميمات قطعية.
– الحوار قبل المنع: استبدال صيغ الزجر والنهي بأسئلة تشجع على التفكير: ما الذي يشد انتباهك في هذا المحتوى؟ وما رأيك فيما طرحه هذا الصانع؟
– المشاركة الرقمية: قضاء أوقات مشتركة في تجربة منصة مفيدة، أو نقاش فكرة أو معلومة أنتجها الذكاء الاصطناعي.
– ميثاق أسري معلن: وضع حدود واضحة يتفق عليها الجميع بشأن أوقات النوم، وتفاصيل المذاكرة، وحدود الخصوصية ومشاركة البيانات الشخصية.
7. من حراسة الشاشة إلى بناء المناعة
إن الغاية الكبرى للتربية الرقمية في عصرنا الحاضر لا تتلخص في معرفة كل نقرة ينقرها الابن على هاتفه، بل في غرس الضمير الحي والتفكير المستقل، ليعرف كيف يختار ويتصرف بمسؤولية عندما يغيب عنه رقيب الأسرة.
فالمراقبة التقنية محدودة بحدود الزمان والمكان، أما الوعي الذاتي والمناعة الفكرية فهما زاد الإنسان الباقي. والرهان الحقيقي للأسرة اليوم لا يقاس بعدد الساعات المحجوبة أو الأجهزة المغلقة، بل بقدرتها على تأهيل إنسان واع يعرف لماذا يستعمل الأداة، وكيف يوظفها لنفعه، ومتى يغلقها حماية لإنسانيته وعلاقاته الحية.
المصادر والمراجع العلمية
- Helsper, E. J., Veltri, G. A., & Livingstone, S. (2025). Parental mediation of children’s online risks: The role of parental risk perception, digital skills and risk experiences. New Media & Society, 27(11).
- Soyoof, A., Reynolds, B. L., Neumann, M., Scull, J., Tour, E., & McLay, K. (2024). The impact of parent mediation on young children’s home digital literacy practices and learning: A narrative review. Journal of Computer Assisted Learning, 40(1), 65–88.
- Tan, C. Y., Pan, Q., Tao, S., Liang, Q., Lan, M., Feng, S., Cheung, H. S., & Liu, D. (2024). Conceptualization, measurement, predictors, outcomes, and interventions in digital parenting research: A comprehensive umbrella review. Educational Research Review, 45, 100647.
- صحيح البخاري (كتاب النكاح، باب: كلكم راع، رقم 5200؛ وكتاب الأدب، باب: رحمة الولد، رقم 5997).
- صحيح مسلم (كتاب الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل، رقم 1829؛ وكتاب البر والصلة، باب: فضل الرفق، رقم 2594).






