رئاسة فاطمة الزهراء المنصوري: انتصار للمرأة أم لتكافؤ الفرص؟

قراءة في أولويات المجتمع ومفهوم العدالة بين المطالب النخبوية والواقع الاجتماعي

بقلم: نزهة الإدريسي

المملكة المغربية


يفتح وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة المغربية باباً لنقاش يتجاوز الدلالة الرمزية لوصول امرأة إلى أعلى منصب تنفيذي في البلاد، ليطرح سؤالاً أعمق حول العلاقة بين المساواة والعدل، وبين إنصاف المرأة والتمييز لصالحها، وبين المطالب التي تُرفع باسم حقوق النساء والأولويات الحقيقية للمجتمع المغربي

. وللمزيد من التحليلات المجتمعية، زوروا موقعنا e3lamia.com.

فلا شك أن حضور المرأة في مواقع القرار يمثل تطوراً مهماً في مسار المشاركة السياسية، ويكسر حواجز تاريخية حالت دون وصولها إلى بعض المناصب العليا. لكن هل يكفي وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لكي نعتبر ذلك انتصاراً للمرأة، بصرف النظر عن معايير الاختيار والأداء؟ وهل تتمثل غاية المساواة في ضمان حضور المرأة في مواقع المسؤولية، أم في بناء شروط عادلة تتيح لها وللرجل التنافس على أساس الكفاءة والاستحقاق؟

إن طرح هذه الأسئلة لا ينتقص من دلالة الحدث، ولا يستهدف شخص رئيسة الحكومة، وإنما يجعل منه مدخلاً لمناقشة مفهوم العدالة الذي ينبغي أن يحكم المؤسسات والمجتمع.

من المساواة إلى العدل: أين يكمن الفرق؟

تقوم المساواة على الاعتراف المتكافئ بالحقوق، ورفض الإقصاء بسبب الجنس، وضمان فرص عادلة في التعليم والتكوين والعمل والمشاركة السياسية.

أما العدل، فيتعلق أيضاً بمدى إنصاف القواعد التي تنظم توزيع الفرص والمسؤوليات، وبقدرتها على معالجة الاختلالات دون خلق امتيازات غير مبررة.
فقد تكون القواعد متساوية في ظاهرها، بينما تحول ظروف اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية دون استفادة الجميع منها بالقدر نفسه. وهنا يصبح التدخل لإزالة العوائق ضرورة لتحقيق تكافؤ الفرص.

لكن هل يعني ذلك أن نعالج التمييز القائم بإنشاء تمييز معاكس؟ وهل يمكن أن تتحول الرغبة في إنصاف المرأة إلى مبرر لمنحها أفضلية لا ترتبط بالكفاءة والاستحقاق؟
إن المساواة العددية، وإن كانت مهمة في بعض السياقات، لا تكفي وحدها لإثبات تحقق العدالة. كما أن الاحتجاج بالكفاءة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإقصاء المرأة أو التشكيك في استحقاقها لمجرد جنسها.
فالعدل يقتضي أن تكون الكفاءة معياراً للجميع، وأن تتاح للجميع فرص حقيقية لاكتسابها وإثباتها.

رئاسة الحكومة: رمزية تاريخية ومسؤولية عامة

إن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يحمل دلالة رمزية مهمة، لكنه يضعنا أيضاً أمام مسؤولية التمييز بين ثلاثة مستويات: تمثيل المرأة في مواقع القرار، والاستحقاق في تولي المسؤولية، والنتائج التي تحققها السياسات العمومية.

فالمرأة لا تحتاج إلى إعفائها من معايير الكفاءة لكي تثبت قدرتها، كما لا ينبغي أن تخضع لمعايير أكثر قسوة من تلك التي يخضع لها الرجل.
وفي المقابل، لا ينبغي اعتبار وصول امرأة إلى منصب قيادي دليلاً تلقائياً على تفضيل جنسها على كفاءتها؛ فالحكم العادل يستند إلى معايير الاختيار والخبرة والأداء والنتائج، لا إلى افتراضات مسبقة.

كما أن نجاح رئيسة الحكومة لا يُقاس بمدى قدرتها على تمثيل النساء وحدهن، بل بقدرتها على تحمل المسؤولية تجاه المجتمع بأكمله، والاستجابة لتطلعات المواطنين في التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تتوقف على هوية من تتولى المنصب وحده، وإنما على مدى إسهامها في ترسيخ مؤسسات عادلة، وتوسيع فرص المشاركة، وتحقيق نتائج ملموسة في حياة المواطنين.

حين تتحول رمزية المنصب إلى مناسبة لطرح المطالب الخلافية

ومن المسائل التي تستحق النقاش، تسارع بعض الجمعيات النسائية إلى مطالبة رئيسة الحكومة بإعادة فتح ملفات سبق أن أثارت جدلاً واسعاً في المغرب، وفي مقدمتها المساواة في الإرث وإلغاء التعدد.

وهنا يبرز سؤال أساسي: هل تمثل هذه المطالب جميع النساء المغربيات، أم أنها تعبر عن توجهات فكرية واجتماعية تتبناها فئات معينة؟
إن حق الجمعيات في التعبير عن تصوراتها والدفاع عن مقترحاتها حق مشروع، لكن لا ينبغي الخلط بين حقها في طرح المطالب وبين اعتبارها تعبيراً عن إرادة النساء جميعاً. فالمرأة المغربية ليست كتلة متجانسة في مرجعياتها الدينية والاجتماعية، ولا في تصورها للمساواة والعدل والأسرة.

كما أن اختزال إنصاف المرأة في قضايا خلافية قد يصرف الانتباه عن مطالب يومية أكثر إلحاحاً، تتعلق بالتعليم والتشغيل والحماية من العنف، والتمكين الاقتصادي، ومحاربة الهشاشة، وتحسين أوضاع النساء في العالم القروي، وضمان حقوقهن الاجتماعية، وتعزيز استقلاليتهن المالية.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية النقاش حول الإرث أو التعدد، وإنما وضع هذه القضايا في سياق أوسع يراعي تنوع المجتمع وتعدد أولوياته.

الإرث: بين المرجعية الشرعية والواقع الاقتصادي

تثير مسألة المساواة في الإرث إشكالاً يتجاوز المطالبة بالمساواة العددية بين الجنسين، لأنها تتصل بأحكام شرعية صريحة في حالات محددة، وبمنظومة متكاملة من الحقوق والالتزامات الأسرية في المرجعية الإسلامية.

ومن ثم، فإن المطالبة بتغيير أنصبة قررها النص الشرعي تفتح نقاشاً دينياً ومجتمعياً عميقاً، لا يمكن حسمه بمجرد الاحتجاج بالمساواة الحسابية، كما لا ينبغي أن يؤدي التمسك بالمرجعية إلى إغفال صور الظلم والتحايل التي قد تتعرض لها النساء في الواقع.
فالواجب هو التمييز بين أحكام الميراث المختلفة، والعمل على حماية حق المرأة في نصيبها الشرعي، والتصدي لحرمانها منه أو الضغط عليها للتنازل عنه، وضمان حقها في التملك والتصرف في أموالها.

ومن جهة أخرى، يفرض الواقع الاقتصادي سؤالاً لا يقل أهمية: ما جدوى أن ينحصر النقاش حول الإرث في إعادة توزيع ممتلكات محدودة، بينما تعاني أسر كثيرة من ضعف الدخل وصعوبة امتلاك السكن والأرض والأصول الاقتصادية؟
إن اتساع الفقر ومحدودية الملكية لدى فئات واسعة من المجتمع يجعلان التمكين الاقتصادي وتوسيع فرص التملك وتحقيق الاستقلال المالي من القضايا الأساسية في أي مشروع جاد لإنصاف المرأة.

ومع ذلك، لا يعني محدودية الممتلكات أن الإرث قضية ثانوية؛ فقد يكون منزل متواضع أو نصيب محدود من تركة هو مصدر الأمان الاقتصادي لامرأة أو أسرة. لذلك تظل حماية الحقوق في الميراث ضرورية، بالتوازي مع معالجة أسباب الفقر والهشاشة.
فالمطلوب ليس الاختيار بين حماية الحقوق الشرعية وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإنما الجمع بينهما ضمن رؤية تنموية أوسع.

التعدد: بين الإباحة الشرعية والمسؤولية الأسرية

أما التعدد، فلا يصح اختزاله في كونه امتيازاً للرجل أو وسيلة للمتعة، كما لا يصح تقديمه باعتباره حلاً عاماً للمشكلات الاجتماعية.
ففي المرجعية الإسلامية، التعدد مباح ضمن شروط وقيود، وفي مقدمتها العدل، مع التنبيه إلى ما يترتب عليه من مسؤوليات أسرية واجتماعية. ولا تكفي القدرة المالية وحدها لتبريره؛ إذ إن صون الحقوق والكرامة والقيام بالواجبات تجاه الزوجات والأبناء عناصر أساسية في تحمل هذه المسؤولية.

كما أن التعدد ليس حقاً مطلقاً يمارسه الرجل بمجرد الرغبة، بل يخضع في المغرب لشروط وإجراءات قضائية ينظمها قانون الأسرة.
وقد يرى بعض الناس فيه مخرجاً في حالات اجتماعية معينة، بينما يرفضه آخرون بالنظر إلى آثاره الأسرية والنفسية والاجتماعية. وهذا الاختلاف يستوجب نقاشاً مسؤولاً يبتعد عن التعميم، ويحمي جميع الأطراف من الضرر والظلم.
إن القضية ليست في تمجيد التعدد أو شيطنته، وإنما في فهم أحكامه وشروطه، وتقييم آثاره الواقعية، واحترام المرجعية القانونية والشرعية، وضمان الحقوق والمسؤوليات المترتبة عليه.

من المطالب النخبوية إلى الأولويات الاجتماعية

إن إحدى الإشكالات التي ينبغي الانتباه إليها هي الفجوة المحتملة بين بعض المطالب التي تتصدر النقاش العام وبين الاحتياجات اليومية لشرائح واسعة من النساء المغربيات.

فالمرأة التي تعاني البطالة أو الأمية أو الفقر أو ضعف الحماية الاجتماعية قد تكون أولوياتها مختلفة عن أولويات النخب التي تركز على قضايا تشريعية وفكرية خلافية.
ولا يعني ذلك أن كل مطلب يتعلق بالإرث أو التعدد هو مطلب نخبوي بالضرورة، أو أنه لا يمس حياة النساء إلا بصورة محدودة؛ وإنما يعني أن هذه القضايا لا يجوز أن تحتكر تعريف حقوق المرأة أو أن تحجب تنوع أوضاعها وحاجاتها.

إن الإنصاف الحقيقي يقتضي الإصغاء إلى النساء في المدن والقرى، وإلى العاملات وربات البيوت، وإلى النساء اللواتي يتحملن أعباء الإعالة، وإلى اللواتي يواجهن العنف أو الحرمان من التعليم أو فرص العمل.
فحقوق المرأة ليست ملفاً واحداً، ولا تختزل في موقف من قضية خلافية، بل هي منظومة تشمل الكرامة والأمان والتعليم والصحة والعمل والملكية والمشاركة في القرار.

ومن هنا، لا ينبغي أن يُطلب من رئيسة الحكومة أن تثبت انحيازها لقضية المرأة بتبني جميع المطالب التي ترفع باسمها؛ فمسؤوليتها الحكومية أوسع من تمثيل تيار نسائي بعينه، وتقتضي الموازنة بين الحقوق الفردية، والمرجعية الدستورية والدينية، والتماسك الأسري، والحاجات الاجتماعية الفعلية.

أي مساواة نريد، وأي عدل ننشد؟

إن قضية المرأة تفتح أمامنا سؤالاً يتجاوز حدودها إلى طبيعة المجتمع الذي نريد بناءه.

فالمجتمع الذي يقصي المرأة المؤهلة بسبب جنسها يهدر طاقات بشرية مهمة، والمجتمع الذي يمنح امتيازات دون معايير عادلة يضعف الثقة في مؤسساته، حتى لو كان ذلك تحت شعار الإنصاف.
وقد يكون التمييز الإيجابي أداة لمعالجة اختلالات حقيقية، لكنه يحتاج إلى مبررات واضحة، ومعايير متناسبة، وأهداف قابلة للتقييم، وألا يتحول إلى بديل عن التأهيل والاستحقاق.

فالمساواة التي تتجاهل الاختلالات الواقعية قد تكرس الإقصاء، والتمييز الإيجابي الذي ينفصل عن العدل قد ينتج امتيازات جديدة. أما العدالة الحقيقية فتجمع بين إزالة العوائق غير المنصفة، وضمان تكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالكفاءة والمساءلة.

إن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يمكن أن يكون محطة مهمة في مسار المشاركة السياسية للنساء، لكن نجاح هذه السابقة ينبغي أن يُقاس بما تضيفه إلى عدالة المؤسسات، وما تحققه من نتائج للمجتمع، وما تفتحه من فرص أمام النساء والرجال على السواء.

فالمرأة لا تحتاج إلى امتياز لمجرد جنسها، وإنما إلى عدالة لا تجعل جنسها عائقاً أمام استحقاقها. والمجتمع لا يحتاج إلى مساواة شكلية بقدر ما يحتاج إلى قواعد منصفة تضمن الحقوق، وتحمي الكرامة، وتربط المسؤولية بالكفاءة، وتجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نطرحه جميعاً:
هل نقيس نجاح أول رئيسة حكومة مغربية بمدى استجابتها لمطالب تيار نسائي محدد، أم بقدرتها على بناء سياسات عادلة تستجيب لتنوع حاجات المجتمع، وتضمن للمرأة كرامتها وحقوقها وفرصها، دون أن تجعل إنصافها مدخلاً إلى إقصاء غيرها أو إلى تجاوز القواعد التي يقوم عليها العدل؟

رسم توضيحي يرمز للميزان بين المساواة والعدل، مع صورة ظلية لامرأة تقود دفة الحكم، يعكس تعيين أول رئيسة حكومة في المغرب.

e3lamia

"مؤسس ومدير منصة إعلامية (e3lamia). صحفي مستقل بتركيا. خبرة تمتد لـ 10 سنوات في مجال الإعلام الرقمي."

Related Posts

قانون المالية بالمغرب: أين تنتهي الوعود وتبدأ المحاسبةمن تدبير الاعتمادات إلى قياس النتائج واستمرارية المسؤولية

قراءة تحليلية في أدوات قياس الأداء ومؤشرات الحكامة وآليات المساءلة بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ (RACHID MRITAKH) باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا الاستباقية مقدمة احترازية وتوضيحية يندرج هذا المقال في إطار…

احتجاجات جيل زد (Z) في فرنسا: هل تكشف أزمة التعليم التقليدي فجوة الاستجابة لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي؟

من أزمة الثقة والإنصاف إلى رهانات المعرفة والعمل ومستقبل الأجيال بقلم: الدكتورة دنيا تامري (Dr. Dounia Tamiri) باحثة أكاديمية بينية تعنى بتقاطعات الاقتصاد الإسلامي وعلم النفس التربوي والذكاء الاصطناعي، مهتمة…

اترك رد

You Missed

رئاسة فاطمة الزهراء المنصوري: انتصار للمرأة أم لتكافؤ الفرص؟

  • من e3lamia
  • أكتوبر 30, 2026
  • 3 views
رئاسة فاطمة الزهراء المنصوري: انتصار للمرأة أم لتكافؤ الفرص؟

قانون المالية بالمغرب: أين تنتهي الوعود وتبدأ المحاسبةمن تدبير الاعتمادات إلى قياس النتائج واستمرارية المسؤولية

  • من e3lamia
  • أكتوبر 29, 2026
  • 15 views
قانون المالية بالمغرب: أين تنتهي الوعود وتبدأ المحاسبةمن تدبير الاعتمادات إلى قياس النتائج واستمرارية المسؤولية

🔴 عاجل: اليوم الرابع للعملية الإسرائيلية في الخليل.. نزوح قسري لـ 290 عائلة وحصار خانق

  • من e3lamia
  • أكتوبر 26, 2026
  • 91 views
🔴 عاجل: اليوم الرابع للعملية الإسرائيلية في الخليل.. نزوح قسري لـ 290 عائلة وحصار خانق

احتجاجات جيل زد (Z) في فرنسا: هل تكشف أزمة التعليم التقليدي فجوة الاستجابة لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي؟

  • من e3lamia
  • أكتوبر 26, 2026
  • 115 views
احتجاجات جيل زد (Z) في فرنسا: هل تكشف أزمة التعليم التقليدي فجوة الاستجابة لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي؟

انتخابات الكنيست 2026: هل يغيّر ارتفاع المشاركة العربية موازين القوىويُضعف فرص نتنياهو في تشكيل الحكومة؟

  • من e3lamia
  • أكتوبر 25, 2026
  • 48 views
انتخابات الكنيست 2026: هل يغيّر ارتفاع المشاركة العربية موازين القوىويُضعف فرص نتنياهو في تشكيل الحكومة؟

محاربة الفساد في البرنامج الحكومي المغربي 2026–2031:من الالتزام السياسي إلى بناء منظومة فعالة للنزاهة

  • من e3lamia
  • أكتوبر 21, 2026
  • 193 views
محاربة الفساد في البرنامج الحكومي المغربي 2026–2031:من الالتزام السياسي إلى بناء منظومة فعالة للنزاهة