بقلم: رشيد مريتخ
باحث في الحكامة والتربية والأورطوبيداغوجيا الاستباقية
تقديم وإخلاء مسؤولية
هذا المقال قراءة توعوية ومؤسساتية في قضايا الريع والاحتكار وتضارب المصالح والشفافية ومكافحة الفساد، مستوحاة من النقاش الذي أثاره التحقيق الصحفي المشار إليه بعنوان «إمبراطور المحروقات»، ومن النقاش العمومي المرتبط بقطاع المحروقات. ولا يتضمن المقال حكماً على أي شخص أو مؤسسة، ولا يعتبر ما يرد في تحقيق صحفي أو تصريح أو معطى متداول حقيقة قضائية نهائية. فإثبات المسؤولية عن جريمة أو مخالفة يظل من اختصاص المؤسسات الرقابية والقضائية وفق القانون.
وللمزيد من التحليلات القانونية والحكامة، زوروا موقعنا e3lamia.com.

أولا: من «إمبراطور المحروقات» إلى السؤال الأكبر: أين ينتهي السوق ويبدأ الريع؟
قد يكون التحقيق الصحفي نقطة انطلاق، لكن قيمة التحقيقات الاستقصائية لا تتوقف عند الأشخاص الذين تتناولهم، بل تكمن أحياناً في الأسئلة التي تفتحها حول بنية السوق وعلاقة المال بالقرار العمومي. وهنا يظهر السؤال المركزي: هل يكفي أن تكون المنافسة مسموحة قانوناً لكي تكون المنافسة فعلية؟ فالاحتكار ليس دائماً شركة واحدة تسيطر على السوق بصورة معلنة. وقد يأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً:
– تركّز اقتصادي،
– حواجز أمام دخول منافسين جدد،
– امتيازات تنظيمية،
– معلومات غير متكافئة،
– تأثير في القرار،
– أو تداخل بين المصالح الاقتصادية والمواقع التي تملك سلطة التأثير في السياسات العمومية.
ومن هنا يصبح الريع أخطر حين ينتقل من مجرد منفعة اقتصادية إلى علاقة مستدامة بين الثروة والنفوذ والقرار العمومي. المشكلة، إذن، ليست في نجاح رجل أعمال أو شركة في تحقيق أرباح؛ فهذا جزء طبيعي من الاقتصاد. المشكلة تبدأ عندما يصبح السؤال المشروع هو: هل تحققت الأرباح من المنافسة والكفاءة والمخاطرة الاقتصادية، أم أن جزءاً منها ارتبط بامتياز أو وضعية سوقية أو قرار عمومي يحتاج إلى تدقيق مستقل؟ وهذا فرق جوهري بين الربح المشروع والريع المحتمل.
ثانيا: الفساد لا يبدأ دائماً بالرشوة
يركز التصور التقليدي للفساد على الرشوة: موظف يتلقى مالاً مقابل قرار. لكن التجارب الحديثة في الحكامة أصبحت تنظر إلى الفساد باعتباره منظومة مخاطر يمكن أن تبدأ قبل وقوع الجريمة نفسها. قد تبدأ بتضارب مصالح ثم قرار غير محايد فامتياز وتركّز اقتصادي ثم ربح استثنائي ونفوذ أكبر فقدرة أكبر على التأثير في القرار. وهنا لا يكون السؤال فقط: «هل تلقى أحدهم رشوة؟» بل: «هل كانت عملية اتخاذ القرار العمومي محمية بما يكفي من تضارب المصالح والتأثير غير المشروع؟» وهذه النقطة بالذات تجعل قانون تضارب المصالح إحدى أهم حلقات الوقاية.
ثالثا: تضارب المصالح: الوقاية قبل العقوبة
تضارب المصالح لا يعني بالضرورة وجود فساد. إنه في الأصل حالة يمكن أن تتعارض فيها المصلحة الخاصة لصاحب القرار مع واجبه في اتخاذ قرار يخدم المصلحة العامة. لكن الخطر يبدأ عندما لا توجد آليات فعالة للتصريح بالمصلحة، والتنحي عن القرار، والمراقبة، والتوثيق. ولهذا تركز المعايير الدولية الحديثة على تضارب المصالح، والتصريح بالممتلكات والمصالح، والقيود على بعض الأنشطة، والرقابة والعقوبات. وهذه العناصر مجتمعة تشكل اليوم جزءاً مركزياً من تقييم منظومات النزاهة. والدرس الأساسي هنا: ليس المطلوب انتظار الفساد حتى يقع؛ بل منع الظروف التي تجعله ممكناً.
رابعا: من أين لك هذا؟ لماذا ظل الإثراء غير المشروع الحلقة الأصعب؟
هنا نصل إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش المغربي. المغرب يتوفر على منظومة للتصريح الإجباري بالممتلكات، والقانون رقم 54.06 يشكل أحد مكوناتها الأساسية. والمجلس الأعلى للحسابات أكد في تقييماته وجود تحديات في تحديد الملزمين، والتتبع، والمراقبة، واعتبر تطوير المنظومة التشريعية أمراً مطلوباً. لكن التصريح بالممتلكات ليس هو نفسه تجريم الإثراء غير المشروع. فالتصريح يخبر السلطة المختصة بما يملكه الشخص الملزم بالتصريح. أما مكافحة الإثراء غير المشروع فتطرح سؤالاً مختلفاً: هل تتناسب الزيادة في الثروة مع الموارد المشروعة؟ وهنا تظهر الفجوة التي ناقشتها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها في أعمالها حول الإثراء غير المشروع، حيث دعت إلى إطار تشريعي واضح ومتكامل يجعل الإثراء غير المشروع جريمة مستقلة ويضمن آليات البحث والتحقق والإثبات.
أما مشروع القانون 10.16، فقد تضمن في صيغته موضوع الإثراء غير المشروع، لكن مساره التشريعي لم يتحول إلى قانون نافذ يجرّم الإثراء غير المشروع بالصورة التي كان النقاش العام ينتظرها؛ لذلك يجب عدم تقديم المشروع القديم باعتباره قانوناً نافذاً. وقد ظل مجلس النواب يوثق مراحل دراسة المشروع باعتباره مشروع قانون. وهنا تظهر إحدى أهم الإشكالات: كيف يمكن لمنظومة التصريح بالممتلكات أن تكون فعالة إذا لم تكن مرتبطة بمنظومة قوية للتحقق من مصادر الزيادة غير المبررة في الثروة؟
خامسا: التصريح بالممتلكات: من واجب شكلي إلى أداة للإنذار المبكر
تقدم التجارب المقارنة درساً مهماً وهو لا قيمة كبيرة لتصريح بالممتلكات إذا كان:
– لا يخضع للتحقق الفعلي؛
– لا تتم مقارنته بمصادر الدخل؛
– لا توجد آلية لرصد التغيرات؛
– لا يمكن التحقق من المصالح المالية ذات الصلة؛
– ولا توجد جزاءات فعالة عند التصريح الكاذب أو عدم التصريح.
وقد أشار المجلس الأعلى للحسابات إلى محدودية الإطار الحالي في استيعاب جميع جوانب التلقي والتتبع والمراقبة، ودعا إلى إخراج مشروع قانون موحد وشامل للتصريح الإجباري بالممتلكات.
وفي التجارب المقارنة التي تتابعها مجموعة الدول المناهضة للفساد GRECO، لا ينظر إلى التصريح بالممتلكات باعتباره مجرد إجراء إداري، بل يرتبط بتصريح الدخل والالتزامات والمصالح وبآليات التحقق والإنفاذ. إذن، فالتصريح الذي لا يُراقَب يتحول إلى أرشيف؛ أما التصريح الذي يُحلَّل ويُقارن ويُتحقق منه، فإنه يصبح أداة للوقاية.
سادسا: وماذا عن قانون تضارب المصالح؟
المطلوب ليس فقط أن يقول القانون: «لا يجوز وجود تضارب للمصالح». بل يجب أن يجيب عن أسئلة عملية:
– ماذا يفعل المسؤول عندما تنشأ حالة تضارب؟
– من يحدد وجود التضارب؟
– هل يجب على المسؤول التصريح به؟
– هل يمنع من المشاركة في القرار؟
– هل يتم تسجيل تنحيه؟
– هل تكون القرارات قابلة للمراجعة؟
– ماذا يحدث إذا أخفى المصلحة؟
– هل تمتد قواعد التضارب إلى المستشارين والمقربين وأصحاب النفوذ المتصلين بصانع القرار؟
– ماذا عن الباب الدوار بين الوظيفة العمومية والمصالح الخاصة؟
تؤكد التجارب المقارنة أن وجود النص وحده لا يكفي؛ فـGRECO تشدد على ضرورة وجود قواعد واضحة بشأن حالات التضارب الفعلية والمحتملة والمتصورة، وعلى فعالية تنفيذها والرقابة على التصريحات.
سابعا: حماية المبلغ ليست تفصيلاً
هناك حلقة أخرى غالباً ما يتم تجاهلها:
من يكشف الخلل؟
إذا كان الموظف أو العامل أو المتعاقد يعرف أن الإبلاغ عن شبهة فساد قد يؤدي إلى:
الانتقام الإداري؛
الإقصاء المهني؛
التشهير؛
النقل التعسفي؛
المساءلة غير المتوازنة؛
فإن أفضل قانون لمكافحة الفساد قد يفشل لأن المعلومة لن تصل إلى المؤسسة المختصة.
ولهذا أصبح الإبلاغ وحماية المبلغين جزءاً من منظومات النزاهة الحديثة؛ ويدرج GRECO حماية المبلغين إلى جانب تضارب المصالح والتصريح بالممتلكات والشفافية والرقابة والجزاءات ضمن عناصر منظومة النزاهة. لكن حماية المبلغ لا تعني حصانة مطلقة. إذ أن الحماية ينبغي أن ترتبط بحسن النية وقنوات قانونية ومعطيات قابلة للتحقق ومنع الانتقام. وهكذا نضمن في الوقت نفسه حماية المبلغ وحماية الأشخاص والمؤسسات من البلاغات الكيدية.
ثامنا: الاحتكار: لماذا لا تكفي محاربة الرشوة؟
هذه نقطة تستحق وقفة خاصة فقد لا توجد رشوة مثبتة، ومع ذلك يمكن أن توجد مشكلة تنافسية. فالاحتكار أو التركّز المفرط في سوق استراتيجي يمكن أن يؤدي إلى:
– تقليص المنافسة؛
– رفع الحواجز أمام الدخول؛
– إضعاف قدرة المستهلك على الاختيار؛
– زيادة قدرة الفاعلين الكبار على التأثير في السوق.
وهذا هو جوهر الفرق بين مكافحة الفساد وسياسة المنافسة. هما مجالان مختلفان، لكنهما يتقاطعان عندما يصبح النفوذ الاقتصادي قادراً على التأثير في القرار العمومي.
ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال: «هل هناك فساد؟» فقط. بل أيضاً: «هل توجد منافسة حقيقية؟ وهل القرارات التنظيمية تحمي السوق أم تخلق امتيازات غير مبررة؟»
تاسعا: ماذا تقول التجارب الدولية؟
التجارب المقارنة لا تقدم وصفة واحدة، لكنها تكشف شيئاً مشتركاً وهو أن الدول التي تطور منظومة النزاهة لا تعتمد على قانون واحد. بل تبني سلسلة مترابطة من تضارب المصالح والتصريح بالممتلكات والمصالح والتحقق المستقل وشفافية القرار العمومي ومنافسة حقيقية ومشتريات عمومية شفافة وحماية المبلغين وتحقيق مستقل وجزاء فعلي ومتناسب إلى استرداد الأموال والعائدات غير المشروعة.
وتوضح أعمال GRECO الحديثة أن التحدي ليس فقط في سن القوانين، بل في تنفيذها والرقابة عليها، خصوصاً في مجالات تضارب المصالح، والتصريح بالممتلكات، والضغط السياسي/اللوبي، والوظائف بعد مغادرة المنصب، وحماية المبلغين.
وفي فرنسا مثلاً، ركزت توصيات GRECO على فحص التصريحات بالممتلكات والمصالح وتدابير منع تضارب المصالح، بما فيها تسجيل حالات تنحي الوزراء عن المشاركة في قرارات توجد لهم بشأنها مصالح خاصة. وفي بعض التجارب الأوروبية، لا يقتصر الأمر على تلقي التصريح؛ بل توجد مؤسسات قادرة على التحقق وفرض جزاءات عند ثبوت مخالفة قواعد تضارب المصالح أو التصريح.
عاشرا: ماذا يحتاج المغرب؟ ليس قانوناً واحداً بل «منظومة نزاهة»
من الصعب مواجهة الفساد بمنطق «سنصدر قانوناً جديداً، وتنتهي المشكلة.» لأن الفساد يتكيف مع القوانين. لذلك يحتاج المغرب، في إطار النقاش العمومي والمؤسساتي، إلى منظومة أكثر تكاملاً يمكن أن تقوم على سبعة محاور:
– أولاً: قانون واضح لتضارب المصالح يشمل المصالح المباشرة وغير المباشرة، ويحدد حالات التصريح والتنحي والعقوبات.
– ثانياً: تطوير منظومة الإثراء غير المشروع بضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة وحق الدفاع، وفي الوقت نفسه بآليات فعالة لتتبع الثروة غير المتناسبة مع الموارد المشروعة.
– ثالثاً: إصلاح التصريح بالممتلكات من مجرد التصريح إلى التصريح والتحقق والتحليل والتتبع.
– رابعاً: حماية المبلغين مع ضمان السرية والحماية من الانتقام، وربط الحماية بحسن النية والوقائع القابلة للتحقق.
– خامساً: تقوية المنافسة خصوصاً في القطاعات الاستراتيجية، لأن مكافحة الفساد لا تنفصل عن منع استغلال القوة السوقية بصورة تضر بالمنافسة والمستهلك.
– سادساً: شفافية القرار العمومي ليس فقط نشر القرار، وإنما كشف: من اقترح؟ ومن درس؟ ومن استفاد؟ وما المعايير؟ وما البدائل؟ ولماذا تم اختيار هذا القرار؟
– سابعاً: استقلالية التحقق إذ لا يمكن أن تكون الجهة التي قد تكون لها مصلحة في القرار هي نفسها الجهة الوحيدة التي تحقق في سلامة القرار.
حادي عشر: «إمبراطور المحروقات» ليس هو القضية وحده
إذا أخذنا التحقيق الصحفي المشار إليه باعتباره نقطة انطلاق للنقاش، لا حكماً قضائياً، فإن السؤال الأهم ليس: من هو «الإمبراطور»؟ بل كيف يمكن أن نضمن ألا تتحول القوة الاقتصادية إلى قوة سياسية، وألا يتحول القرار السياسي إلى مصدر قوة اقتصادية، وألا تصبح العلاقة بينهما مغلقة أمام الرقابة؟ هنا بالضبط تنتقل القضية من الأشخاص إلى الحكامة. فالدولة الحديثة لا تحارب الفساد فقط بعد اكتشافه؛ بل تبني مؤسسات تجعل الفساد أصعب وقوعاً وأسهل اكتشافاً وأكثر كلفة على مرتكبه.
ثاني عشر: من مكافحة الفساد إلى «هندسة مقاومة الفساد»
ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم فبدلاً من بناء سياسة عمومية تقوم على فضيحة وتحقيق وضجة إعلامية ونفي أو اتهام وانتظار القضاء يمكن الانتقال إلى تحديد المخاطر ومنع تضارب المصالح وشفافية القرار ومراقبة الثروة وحماية المبلغ وتدقيق مستقل وإنفاذ العقوبات واسترداد الأموال وتقييم السياسات. وهذا يعني أن مكافحة الفساد ليست فقط سياسة جنائية بل إنها أيضاً سياسة اقتصادية وسياسة تنافسية وسياسة مالية وسياسة إدارية وسياسة معلومات وسياسة أخلاقية ورقابة مؤسساتية. ولهذا فإن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، والمجلس الأعلى للحسابات، ومؤسسات المنافسة، وأجهزة القضاء والرقابة، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها جزرًا منفصلة، بل باعتبارها حلقات في منظومة واحدة، لكل مؤسسة اختصاصها وحدودها.
الخلاصة
أخطر أشكال الفساد ليس بالضرورة ذلك الذي يترك أثراً مالياً مباشراً. فأحياناً يكون الأخطر هو الفساد الذي يعيد تشكيل قواعد اللعبة نفسها:
– حين يصبح النفوذ الاقتصادي قادراً على التأثير في القرار؛
– وحين يصبح القرار قادراً على صناعة امتياز اقتصادي؛
– وحين يصبح تضارب المصالح غير مرئي؛
– وحين يصبح التصريح بالممتلكات إجراءً بلا تحقق؛
– وحين يخاف من يملك المعلومة من الإبلاغ؛
– وحين تصبح المنافسة موجودة في النص وغائبة في الواقع.
عندها لا يعود السؤال: «من الفاسد؟» بل يصبح السؤال المؤسساتي الأعمق: «ما الذي يسمح للفساد بأن يستمر حتى عندما توجد قوانين لمكافحته؟» والجواب لا يكون بإدانة مسبقة لشخص أو مؤسسة، وإنما ببناء منظومة نزاهة تجعل القرار العمومي قابلاً للتتبع، والثروة قابلة للتفسير، والمصلحة قابلة للكشف، والمنافسة قابلة للتحقق، والمبلّغ قابلاً للحماية، والمسؤولية قابلة للمساءلة.
فالحكامة الحقيقية لا تقاس بعدد قوانين مكافحة الفساد الموجودة في الجريدة الرسمية، بل بقدرة المؤسسات على منع تضارب المصالح، واكتشاف الانحراف، وحماية من يكشفه، وإنفاذ القانون عندما تثبت المسؤولية. وفي المغرب، فإن المعطيات الرسمية الحديثة نفسها تُظهر أن منظومة التصريح بالممتلكات ما زالت تحتاج إلى تطوير تشريعي ومؤسساتي، وهو ما يجعل المعركة الحقيقية ليست فقط ضد «الفاسد»، وإنما ضد البيئة التي يمكن أن تجعل الفساد قابلاً للتخفي والاستمرار.






