الفائض بعد تدبير الفائض والخصاص في ضوء القواعد القانونية والتنظيميةقراءة توعوية في حدود التكليف، معايير الإنصاف، وحق الموظف في وضعية إدارية واضحة

الأستاذ رشيد مريتخ
باحث في الحكامة والتربية والأورطوبيداغوجيا الاستباقية


تقديم وإخلاء مسؤولية

هذا المقال ذو طبيعة توعوية وقانونية عامة، ولا يتعلق بملف شخصي أو مؤسسة بعينها، ولا يرمي إلى اتهام أي إدارة أو مسؤول أو موظف. كما أن وصف أي وضعية بأنها «غير قانونية» لا يمكن أن يتم بصورة نهائية إلا بعد الاطلاع على الوثائق والقرارات والمذكرات المعتمدة في الحالة المعنية، وعلى الجهة صاحبة الاختصاص وتاريخ الإجراء. والغرض من المقال هو طرح سؤال مشروع في الحكامة الإدارية:
– ماذا يحدث عندما تنتهي عملية تدبير الفائض والخصاص، ويظل أستاذ مصنفاً ضمن الفائض؟
– وما هي وضعيته؟ وما حدود سلطة الإدارة في تكليفه؟

وللمزيد من التحليلات القانونية والتربوية، زوروا موقعنا e3lamia.com.

رسم توضيحي يرمز لتدبير الفائض والخصاص في التعليم، يظهر ميزاناً بين حقوق الأستاذ والقوانين المنظمة للتكليف.

أولاً: الفائض ليس وضعية خارج القانون

وجود الأستاذ في وضعية فائض لا يعني أنه أصبح بدون وضعية إدارية، ولا يعني أن علاقته بمؤسسته الأصلية أو بإدارته انتهت. فمنطق تدبير الفائض والخصاص يقوم أساساً على إعادة توزيع الموارد البشرية وفق الحاجات الفعلية للمؤسسات، مع احترام قواعد الاستحقاق والإنصاف. وفي جهة فاس-مكناس، تنص المذكرة الجهوية رقم 007/26 بتاريخ 31 غشت 2026، بحسب ما نشر حول مضمونها، على تحديد الفائض بعد استقرار البنية التربوية للمؤسسة وحسب السلك والتخصص، وبعد إسناد الحصة الكاملة، مع اعتماد معايير الأقدمية العامة، والأقدمية بالمديرية، والأقدمية بالمؤسسة. وهنا تظهر قاعدة أساسية: لا ينبغي أن تتحول وضعية الفائض إلى وضعية غامضة؛ بل ينبغي أن تكون لها معالجة إدارية واضحة ومعللة وقابلة للتتبع.

ثانياً: منع تقليص حصة أستاذ مستوفٍ لجدوله لإيجاد مكان للفائض

من النقاط المهمة التي ينبغي الانتباه إليها أن تدبير الفائض لا يعني، من حيث الأصل، إفراغ جدول أستاذ مستوفٍ لحصته من أجل إسناد تلك الحصص إلى أستاذ فائض أو إلى أستاذ آخر يتوفر على جدول غير تام. وهو ما تؤكده المذكرة الجهوية المشار إليها، بحسب مضمونها المنشور، عندما تشدد على إسناد الحصة الكاملة وعدم تقليصها من أجل إسنادها إلى الفائض أو إلى أصحاب جداول الحصص غير التامة. وهذه النقطة مهمة لأنها تمنع الخلط بين الأوضاع المختلفة:
– وجود فائض؛
– وجود جدول حصص غير تام؛
– وجود خصاص حقيقي؛
– وإعادة توزيع الحصص داخل المؤسسة.

ثالثاً: متى يصبح الأستاذ فائضاً فعلاً؟

المعيار ليس مجرد الانطباع الإداري أو قول شفوي من قبيل: «أنت فائض». بل ينبغي أن تسبق ذلك عملية تنظيمية:
– استقرار البنية التربوية،
– تحديد الحصص،
– إسناد الحصص الكاملة،
– ترتيب المعنيين بمعايير محددة:
— معايير الأقدمية العامة،
— والأقدمية بالمديرية،
— والأقدمية بالمؤسسة،
مع ترتيب خاص في حالة التساوي. وبالتالي فإن السؤال المشروع للأستاذ هو: على أي أساس تم اعتباري فائضاً؟ وليس فقط: أين سأعمل؟

رابعاً: الأستاذ الفائض بعد انتهاء العملية

هنا تكمن الإشكالية التي تستحق توعية أكبر. فإذا انتهت عملية تدبير الفائض والخصاص، وبقي أستاذ فائضاً، فلا ينبغي أن تكون النتيجة هي تركه في وضعية غير محددة، أو تكليفه بمهام لا علاقة لها بإطاره دون بيان السند القانوني. بل ينبغي تحديد:
– هل ما زال الأستاذ فائضا رسمياً؟
– هل تم الإعلان عن باقي الفائضين؟
– هل يوجد خصاص في تخصصه؟
– هل يوجد خصاص في سلكه؟
– أين يوجد هذا الخصاص؟
– ما معايير اختيار الأستاذ المكلف؟
– هل صدر قرار أو رسالة تكليف؟
– ما المؤسسة التي يجب الالتحاق بها؟
– ما الحصص المسندة؟
– وما هو السند التنظيمي للتكليف؟
هذه ليست أسئلة تصادمية؛ بل هي أسئلة حكامة إدارية وتدبير مسؤول للموارد البشرية.

خامساً: الأولوية للخصاص الحقيقي

منطق تدبير الفائض لا يهدف إلى نقل الأساتذة لمجرد النقل، وإنما إلى معالجة الخصاص الفعلي. وبحسب المذكرة الجهوية 007/26، يتم حصر الفائض حسب السلك والتخصص، ثم العمل على تغطية الخصاص داخل النفوذ الترابي للمديرية، مع إعطاء الأولوية للأساتذة العاملين داخل الجماعة نفسها، ثم الجماعة الأقرب فالأقرب، مع مراعاة الخصوصيات الجغرافية. وهذا يطرح سؤالاً إدارياً مهماً: إذا كان الأستاذ فائضاً، فأين هو الخصاص الذي سيُكلّف بسده؟ فالتكليف ينبغي أن تكون له وظيفة تربوية واضحة، وليس مجرد نتيجة آلية لكون الأستاذ صنف ضمن الفائض.

سادساً: البعد الجغرافي

من المقتضيات المهمة في المذكرة الجهوية 007/26 مراعاة البعد الجغرافي، مع اعتماد مبدأ الجماعة نفسها ثم الأقرب فالأقرب. وهذا يعكس أن تدبير الموارد البشرية لا ينفصل عن الواقع الجغرافي. فالمسافة، ووسائل النقل، والظروف المحلية، وطبيعة المجال الترابي، كلها عناصر يمكن أن تكون ذات صلة عند ترتيب التكليفات، وفق القواعد المعتمدة.

سابعاً: أستاذ له جدول حصص غير تام

يجب التمييز بين الأستاذ الفائض والأستاذ ذي جدول الحصص غير التام، لأن المذكرة الجهوية 007/26 تناولت أيضاً حالة جداول الحصص غير التامة. وبحسب مضمونها المنشور، يمكن تكليف الأستاذ الذي يتوفر على جدول غير تام بالعمل في مؤسسة أخرى، مع احتساب الساعة بساعة ونصف في الحالة المحددة داخل النفوذ الترابي للجماعة نفسها، مع مراعاة البعد الجغرافي. لكن هذا لا يعني أن كل جدول غير تام يشكل تلقائياً «فائضاً»، ولا أن كل أستاذ يمكن نقله دون تحديد الخصاص والمعايير.

ثامناً: ماذا يقول المرسوم 2.24.140؟

هنا يجب العودة إلى النص النظامي، لا الاكتفاء بالمذكرات. تنص المادة 5 من المرسوم رقم 2.24.140 على حق الموظفين في المعاملة القائمة على الاحترام وحفظ الكرامة والحماية القانونية، وتنص صراحة على أنه: «لا يمكن إلزامهم بمزاولة مهام غير تلك المسندة إليهم طبقاً للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل». وهذه قاعدة مهمة جداً. فإذا كان الأستاذ فائضاً، فهذا لا يعني أن الإدارة أصبحت حرة في إسناد أي مهمة إليه. السؤال القانوني دائماً هو: هل المهمة المسندة تدخل ضمن المهام التي يسمح بها الإطار والنصوص الجاري بها العمل، أم أنها مهمة مختلفة تحتاج إلى سند خاص وتكليف من الجهة المختصة؟

تاسعاً: المادة 68 ومدة التدريس

تنص المادة 68 من المرسوم 2.24.140 على أن مدة التدريس الأسبوعية لأطر التدريس تحدد بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية، وبعد استطلاع الرأي المنصوص عليه في المادة، وأنه إلى حين صدور القرار المشار إليه بالجريدة الرسمية يستمر العمل بمدد التدريس الأسبوعية المعتمدة قبل دخول المرسوم حيز التنفيذ. وبالتالي لا ينبغي الخلط بين:
– الفائض؛
– جدول الحصص غير التام؛
– النصاب الأسبوعي؛
– والتكليف بمؤسسة أخرى.
كل واحدة من هذه الوضعيات لها أساسها التنظيمي.

عاشراً: المختصون التربويون لهم مقتضى خاص

إذا تعلق الأمر بـ مختص تربوي، فالمادة 69 من المرسوم 2.24.140 مهمة جداً، إذ تنص على أن المختصين التربويين والاجتماعيين يؤدون نفس ساعات العمل الأسبوعية المعتمدة لأطر التدريس حسب الأسلاك التي يزاولون بها، باستثناء المكلفين منهم بمهام الإدارة التربوية أو بمهام إدارية بتكليف رسمي. وهنا تظهر أهمية التمييز بين الإطار المهني والمهام الأصلية والتكليف الرسمي والمهمة الإدارية والتربوية المسندة. فلا يكفي القول: «أنت فائض، إذن قم بأي مهمة تحتاجها المؤسسة». بل ينبغي معرفة نوع المهمة، وسندها، والجهة التي أصدرت التكليف، ومدته وحدوده.

حادي عشر: ماذا عن الطعن؟

المذكرة الجهوية 007/26، بحسب مضمونها المنشور، تتيح للمتضررين من قرارات التكليف تقديم طعن كتابي داخل أجل 48 ساعة من تاريخ التوصل برسالة التكليف، مع دراسة الطعن والرد عليه من طرف المديرية الإقليمية داخل أجل أقصاه خمسة أيام من تاريخ التوصل بالطعن. وهذه نقطة عملية بالغة الأهمية. لذلك، لا ينبغي للأستاذ أن يكتفي بالاحتجاج أو الطعن الشفوي. إذا كان لديه اعتراض، فالأفضل أن يكون:
– مكتوباً؛
– مؤرخاً؛
– مثبت التوصل؛
– محدداً في موضوعه؛
– ومبنياً على عناصر موضوعية.

ثاني عشر: ماذا لو وجدت حالة مماثلة؟

هنا تظهر مبادئ الحكامة. فإذا كان هناك:
– أستاذ فائض في مؤسسة؛
– وأستاذ آخر في المؤسسة نفسها له جدول غير تام؛
– وأستاذ في المؤسسة المستقبلة له أيضاً جدول غير تام؛
فمن المشروع طلب توضيح المعايير التي أدت إلى اختيار أستاذ دون آخر. ولا يعني ذلك تلقائياً أن التكليف غير قانوني. لكن من حق الموظف أن يسأل:
– هل تم حصر كل جداول الحصص؟
– هل تم تحديد الخصاص الحقيقي؟
– هل تم ترتيب الأساتذة وفق معايير؟
– هل تم احترام الأولوية الجغرافية؟
– وما سبب اختيار أستاذ تحديداً؟
وهذه الأسئلة تنسجم مع مبادئ الإنصاف والاستحقاق وتكافؤ الفرص التي تؤكد عليها المذكرة الجهوية.

ثالث عشر: ماذا يفعل الأستاذ عملياً؟

إذا بقي الأستاذ فائضاً بعد انتهاء العملية، فالخطوة الأكثر أماناً هي أن يطلب كتابياً: «تحديد وضعيته الإدارية والتربوية بعد انتهاء عملية تدبير الفائض والخصاص». ويطلب خصوصاً:
– نسخة أو بياناً يثبته ضمن الفائض.
– بيان الخصاص في تخصصه وسلكه.
– معايير اختياره للتكليف إن وجد.
– المؤسسة التي سيعمل بها.
– جدول الحصص.
– تاريخ الالتحاق.
– السند القانوني والتنظيمي للتكليف.
– الجهة التي أصدرت القرار.
– بيان وضعية الأستاذ في المؤسسة الأصلية والمستقبلة إذا كانت هناك حالات مماثلة.

رابع عشر: هل يمتنع الأستاذ عن الالتحاق؟

هذه نقطة حساسة. وجود اعتراض أو طعن لا يعني بالضرورة أن الأستاذ يستطيع أن يتوقف من تلقاء نفسه عن العمل. بل الأصل العملي هو: طلب التوضيح والطعن كتابةً، مع عدم تحويل الخلاف الإداري إلى غياب غير مبرر. وإذا كان هناك تكليف مكتوب، فينبغي فحصه قبل اتخاذ موقف، خصوصاً من حيث الجهة المصدرة، والسند، والتخصص، والمكان، والمدة. أما التعليمات الشفوية، فيمكن للأستاذ أن يطلب تثبيتها كتابةً، دون أن يصوغ موقفه باعتباره رفضاً للعمل.

الخلاصة: الفائض ليس فراغاً إدارياً

القضية ليست في كون الأستاذ فائضاً. القضية الحقيقية هي كيف تُدار وضعية الفائض؟ فالحكامة الجيدة تقتضي أن تكون العملية قابلة للفهم والتتبع: بنية تربوية وتحديد الحصص فتحديد الفائض ثم تحديد الخصاص وترتيب المعنيين والتكليف فالتبليغ ثم إمكانية الطعن. وعندما تنتقل الإدارة من هذه السلسلة المنظمة إلى تعليمات شفوية أو تكليف غير واضح، تظهر الحاجة إلى التوثيق وطلب التوضيح.

والقاعدة التي ينبغي أن يعرفها كل موظف هي أن احترام الإدارة لا يعني التخلي عن الحق في معرفة السند القانوني للقرار الإداري، كما أن ممارسة الحق في التظلم لا تعني رفض تنفيذ القرارات القانونية. إن الهدف ليس الدخول في مواجهة مع الإدارة، وإنما الوصول إلى إدارة أكثر وضوحاً، وموارد بشرية تدبر وفق الإنصاف والاستحقاق والموضوعية والشفافية، وبما يخدم في النهاية المصلحة الفضلى للمتعلمين واستقرار المؤسسة التعليمية.

ملاحظة قانونية:
المذكرة الجهوية 007/26 مصدرها الأكاديمية الجهوية لفاس-مكناس، وقد اعتمدتُ في التفاصيل الإجرائية المنشورة أعلاه على المصدر الذي نقل مضمونها؛ أما المرسوم 2.24.140 فتمت مراجعته في مصدر قانوني رسمي تابع لوزارة العدل.

e3lamia

"مؤسس ومدير منصة إعلامية (e3lamia). صحفي وباحث متخصص في الشؤون الدولية والتحليلات السياسية. خبرة تمتد لـ 10 سنوات في المجال الإعلامي الرقمي."

Related Posts

ملف التطبيع: بين صناديق الاقتراع وكلمة الشارع

قراءة في مسار القضية بعد انتهاء الاستحقاقات الانتخابية بقلم: نزهة الإدريسي المملكة المغربية قد تنتهي الانتخابات المغربية اليوم 23 شتنبر، لكن بعض القضايا التي حضرت في خلفيتها قد لا تنتهي بانتهاء الاقتراع.…

الانتخابات المغربية… من اختبار الأحزاب إلى اختبار الثقة

قراءة في تحولات المشهد السياسي بين المشاريع الوطنية وانتظارات المواطن بقلم: نزهة الإدريسي المملكة المغربية في النهاية، تبدو الانتخابات المغربية الحالية أكبر من مجرد تنافس بين أحزاب وبرامج انتخابية؛ فهي تأتي في…

0 0 votes
تقييم المادة

Bir Cevap Yazın

0 تعليقات
Eskiler
En Yeniler Beğenilenler

You Missed

الفائض بعد تدبير الفائض والخصاص في ضوء القواعد القانونية والتنظيميةقراءة توعوية في حدود التكليف، معايير الإنصاف، وحق الموظف في وضعية إدارية واضحة

  • By e3lamia
  • Eylül 25, 2026
  • 5 views
الفائض بعد تدبير الفائض والخصاص في ضوء القواعد القانونية والتنظيميةقراءة توعوية في حدود التكليف، معايير الإنصاف، وحق الموظف في وضعية إدارية واضحة

حزب الأصالة والمعاصرة يتصدر قائمة صناديق الاقتراع للانتخابات التشريعية بالمغرب

  • By e3lamia
  • Eylül 24, 2026
  • 16 views
حزب الأصالة والمعاصرة يتصدر قائمة صناديق الاقتراع للانتخابات التشريعية بالمغرب

ملف التطبيع: بين صناديق الاقتراع وكلمة الشارع

  • By e3lamia
  • Eylül 23, 2026
  • 55 views
ملف التطبيع: بين صناديق الاقتراع وكلمة الشارع

الانتخابات المغربية… من اختبار الأحزاب إلى اختبار الثقة

  • By e3lamia
  • Eylül 23, 2026
  • 63 views
الانتخابات المغربية… من اختبار الأحزاب إلى اختبار الثقة

عندما يتحول التفتيش من آلية للتقويم إلى موضوع للرقابة القضائية — قراءة توعوية في ضمانات الأستاذ أثناء تقييم العمل التربوي

  • By e3lamia
  • Eylül 21, 2026
  • 383 views
عندما يتحول التفتيش من آلية للتقويم إلى موضوع للرقابة القضائية — قراءة توعوية في ضمانات الأستاذ أثناء تقييم العمل التربوي

“فتبينوا” بين الخبر والحقيقة:قراءة في السبق الإعجازي القرآني لمنهج التبين على ضوء علوم الإعلام والاتصال

  • By e3lamia
  • Eylül 19, 2026
  • 99 views
“فتبينوا” بين الخبر والحقيقة:قراءة في السبق الإعجازي القرآني لمنهج التبين على ضوء علوم الإعلام والاتصال
0
Would love your thoughts, please comment.x