قراءة في تحولات المشهد السياسي بين المشاريع الوطنية وانتظارات المواطن
بقلم: نزهة الإدريسي
المملكة المغربية
في النهاية، تبدو الانتخابات المغربية الحالية أكبر من مجرد تنافس بين أحزاب وبرامج انتخابية؛ فهي تأتي في لحظة تتقاطع فيها تحولات وطنية ودولية عميقة: مشاريع تنموية كبرى، تحديات اقتصادية واجتماعية، قضية الصحراء، الحرب في غزة، والجدل الشعبي المتواصل حول التطبيع.
وللمزيد من التحليلات السياسية، زوروا موقعنا e3lamia.com.

الفجوة بين الإنجازات وانتظارات المواطن
لكن التحدي الأبرز يبقى الثقة. فهناك مغرب يحقق مشاريع واستثمارات وتحولات مهمة، وفي المقابل هناك مواطن، وخاصة من الشباب، ما زال يسأل عن العمل، والتعليم، والصحة، والقدرة على تحسين ظروف الحياة. وبين الصورتين تتشكل المسافة التي ينبغي على الأحزاب أن تنجح في ردمها.
قضية فلسطين والتطبيع: بعد أخلاقي وشعبي
أما ملف التطبيع والقضية الفلسطينية، فقد أضاف إلى الانتخابات بعدًا شعبيًا وأخلاقيًا واضحًا، خصوصًا في ظل التطورات الأخيرة في غزة والعلاقات المغربية الإسرائيلية. غير أن التعاطف مع قضية ما لا يعني بالضرورة التصويت لحزب معين؛ فالناخب يتحرك بين مجموعة من القضايا الوطنية والاجتماعية التي تتداخل في تشكيل موقفه.
عودة الأحزاب القديمة بلغة جديدة؟
ومن هنا يمكن قراءة الحضور المتجدد لحزب العدالة والتنمية، وغيره من الأحزاب التي تراجعت في الاستحقاقات السابقة، بعيدًا عن سؤال: هل سيعود هذا الحزب أو ذاك؟ فالأهم هو ما إذا كانت الأحزاب القديمة قادرة على تقديم نفسها بلغة سياسية جديدة، تستوعب التحولات التي طرأت على المجتمع والناخب.
من الاصطفاف للتنظيم إلى الالتقاء للقضية
وهنا تلتقي هذه الانتخابات مع الفكرة التي تناولناها في مقال سابق بعنوان: «من الاصطفاف حول التنظيم إلى الالتقاء حول القضية: جيل جديد يعيد تشكيل التفكير السياسي».
فما يتغير اليوم ليس فقط حجم الأحزاب وقوة تنظيماتها، وإنما طريقة تشكل القناعة السياسية نفسها. فالمواطن، وخاصة الجيل الجديد، قد يتفق مع حزب في قضية ويختلف معه في أخرى، وقد يلتقي مع أنصار أحزاب مختلفة حول هدف واحد دون أن يعني ذلك انتماءه إلى أي منها.
إعادة تعريف العلاقة بين الحزب والمواطن
وهذا التحول يفرض على الأحزاب أن تعيد التفكير في علاقتها بالمواطن: فبدل أن تطلب منه الاصطفاف الدائم خلف التنظيم، يصبح عليها أن تقنعه بقدرتها على خدمة القضايا التي تهمه.
السؤال الجوهري لانتخابات 2026
لذلك فإن السؤال الأعمق الذي ستطرحه انتخابات 2026 ليس فقط: من حصل على أكبر عدد من المقاعد؟ وإنما:
هل استطاعت السياسة المغربية أن تنتقل من منطق الاصطفاف حول التنظيم إلى منطق الالتقاء حول القضية، ومن طلب الولاء إلى بناء الثقة؟
فإذا كان المواطن قد تغير، فإن نجاح الأحزاب في المرحلة المقبلة سيتوقف إلى حد كبير على قدرتها على فهم هذا التغير، ومخاطبة المواطن باعتباره شريكًا في صناعة المستقبل، لا مجرد صوت انتخابي يظهر كل خمس سنوات.





