التستر على لوائح الأساتذة الفائضين: تفكيك لبنات الريع الإداري والنقابي في ضوء المرجعيات الدستورية والتشريعية والالتزامات الدولية

بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ
باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا
الجزء الأول
تقديم وإخلاء مسؤولية
تندرج هذه المقالة في إطار نشر الثقافة القانونية والإدارية، وتروم الإسهام في ترسيخ قيم الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل منظومة التربية والتكوين، انطلاقاً من المرجعيات الدستورية والتشريعية والتنظيمية الوطنية، ومن الالتزامات الدولية التي انخرطت فيها المملكة المغربية الشريفة. ولا تستهدف هذه القراءة التشكيك في مصداقية المدرسة العمومية، ولا النيل من جهود الأغلبية الساحقة من الأطر الإدارية والتربوية وهيئات التفتيش والأطر النقابية التي تؤدي مهامها بكل نزاهة ومسؤولية، وإنما تنصب على بعض الممارسات المعزولة التي قد تقع أحياناً، والتي من شأنها أن تمس بمبادئ المساواة والاستحقاق وتكافؤ الفرص، وتؤثر سلباً في الثقة داخل المرفق العمومي.
كما أن مضمون هذه الدراسة لا يشكل اتهاماً موجهاً إلى شخص أو مؤسسة بعينها، ولا يتناول وقائع محددة، وإنما يقدم قراءة قانونية وتوعوية لظواهر يمكن أن تفرزها الممارسة الإدارية متى غابت الشفافية، أو تم تعطيل آليات المراقبة والمساءلة، أو أسئ استعمال السلطة التقديرية المخولة للإدارة. ويظل الهدف الأسمى هو المساهمة في حماية المدرسة العمومية، وتجفيف منابع الريع الإداري، وتعزيز ثقافة الإفصاح، بما ينسجم مع التوجهات الدستورية للمملكة المغربية الشريفة، ومع الرؤية الإصلاحية التي تجعل من الحكامة إحدى الدعائم الأساسية لتجويد المنظومة التعليمية.

وللمزيد من التحليلات التربوية والقانونية بالمغرب، زوروا موقعنا e3lamia.com.


مدخل: لماذا تعتبر شفافية تدبير الفائض والخصاص قضية حكامية؟
يشكل تدبير الموارد البشرية أحد أهم مؤشرات جودة الحكامة داخل أي مرفق عمومي، لأن نجاح السياسات العمومية لا يقاس فقط بحجم الموارد المالية المرصودة لها، وإنما كذلك بمدى احترام قواعد الشفافية والإنصاف والاستحقاق في توزيع الموارد البشرية وتدبير مسارها المهني. ويكتسي هذا الأمر أهمية مضاعفة داخل قطاع التربية الوطنية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالحق الدستوري في التعليم، وباستقرار المؤسسات التعليمية، وبالااستقرار المهني والاجتماعي والنفسي للأطر التربوية والإدارية، فضلاً عن تأثيره المباشر في الزمن المدرسي وجودة التعلمات.


ومن بين أكثر المحطات حساسية خلال كل موسم دراسي مرحلة تدبير الخصاص والفائض، باعتبارها عملية تنظيمية تهدف إلى تحقيق التوازن بين حاجيات المؤسسات التعليمية والموارد البشرية المتوفرة، وفق معايير موضوعية ومعلنة تضمن تكافؤ الفرص بين الجميع. غير أن هذه العملية قد تتحول، في بعض الأحيان، من آلية لتحقيق العدالة الإدارية إلى مجال خصب لإنتاج الريع الإداري أو النقابي، عندما يتم حجب المعلومات المتعلقة بالمناصب الشاغرة أو بلوائح الأساتذة الفائضين، أو عندما يتم توظيف السلطة التقديرية خارج الضوابط القانونية والتنظيمية.


فالشفافية في هذا المجال ليست مجرد قيمة أخلاقية، وإنما ضمانة قانونية لحماية الحقوق، وآلية وقائية لمنع نشوء النزاعات، ووسيلة لترسيخ الثقة في الإدارة العمومية. ومن هنا يثور السؤال الجوهري “هل يعتبر نشر لوائح الأساتذة الفائضين والمناصب الشاغرة مجرد إجراء تنظيمي، أم أنه التزام قانوني ودستوري يترتب عن الإخلال به المساس بمبادئ المساواة والشفافية والاستحقاق؟” للإجابة عن هذا السؤال، يقتضي الأمر أولاً تأصيل المفاهيم المرتبطة بالموضوع، قبل الانتقال إلى تحليل المرجعيات القانونية والتنظيمية، ثم الوقوف عند الآثار المترتبة عن غياب الشفافية في تدبير هذه العملية.
أولاً: تأصيل المفاهيم

  1. مفهوم الأستاذ في وضعية الفائض
    يقصد بالأستاذ في وضعية الفائض، في التنظيم الإداري لقطاع التربية الوطنية، الموظف الذي أصبحت المؤسسة التعليمية التي يعمل بها تتوفر على عدد من الأساتذة يفوق حاجياتها الفعلية، نتيجة تغير البنيات التربوية أو تقلص أعداد التلاميذ أو إعادة تنظيم الخريطة المدرسية أو غيرها من الأسباب التنظيمية. ولا يشكل وضع الفائض أي مساس بالمركز القانوني للموظف، وإنما هو وضع إداري مؤقت يستوجب إعادة توزيعه وفق معايير موضوعية تراعي المصلحة العامة وتحترم في الوقت نفسه حقوقه وضماناته القانونية.
  2. مفهوم الخصاص
    الخصاص هو الوضعية التي تعاني فيها مؤسسة تعليمية من نقص في الموارد البشرية مقارنة بحاجياتها التربوية الفعلية، بما قد يؤدي إلى اضطراب السير العادي للدراسة، أو اللجوء إلى حلول استثنائية كتجميع الأقسام أو إسناد مواد لغير المختصين أو تكليف أساتذة بساعات إضافية.
  3. مفهوم الشفافية
    تعني الشفافية تمكين جميع المعنيين من الولوج إلى المعلومات الإدارية المرتبطة بالقرارات التي تمس حقوقهم أو مصالحهم المشروعة، بما يسمح لهم بممارسة حقوقهم في التظلم والطعن والمراقبة. ولا تقتصر الشفافية على نشر المعلومات، بل تشمل كذلك وضوح المعايير، وتعليل القرارات، وإمكانية مراقبة مدى احترامها.
  4. مفهوم تكافؤ الفرص
    يقوم تكافؤ الفرص على إخضاع جميع الموظفين للمعايير نفسها، دون أي تمييز أو تفضيل قائم على الانتماءات أو العلاقات الشخصية أو الاعتبارات النقابية أو غيرها من الأسباب غير المشروعة. ويعتبر هذا المبدأ من المبادئ الدستورية التي تؤطر الولوج إلى الوظائف العمومية، كما يؤطر تدبير المسار المهني للموظفين.
  5. مفهوم الريع الإداري
    يقصد بالريع الإداري كل منفعة أو امتياز يتم الحصول عليه خارج معايير الاستحقاق والمشروعية، نتيجة استغلال السلطة أو النفوذ أو التحكم في المعلومة أو تعطيل قواعد المنافسة والشفافية. وفي مجال تدبير الموارد البشرية قد يتجسد الريع الإداري في منح امتيازات غير مبررة لبعض الموظفين، أو حجب معلومات مؤثرة عن غيرهم، أو توجيه القرارات لخدمة مصالح خاصة بدل تحقيق المصلحة العامة.
  6. مفهوم الريع النقابي
    لا يقصد بهذا المفهوم العمل النقابي المشروع الذي يكفله الدستور والقانون، وإنما يشير إلى أي انحراف عن الوظيفة الأصلية للعمل النقابي، خصوصاً عندما تتحول بعض الممارسات الفردية إلى وسيلة للحصول على امتيازات خاصة، أو للتأثير في القرارات الإدارية لفائدة أشخاص معينين، خارج معايير الاستحقاق والشفافية. ويظل المفهوم منصبا على الممارسة المنحرفة، لا على التنظيمات النقابية في حد ذاتها، التي تضطلع بأدوار دستورية ووطنية أساسية في تأطير الشغيلة والدفاع عن حقوقها.
    (يتبع في الجزء الثاني…)
  • e3lamia

    "مؤسس ومدير منصة إعلامية (e3lamia). صحفي وباحث متخصص في الشؤون الدولية والتحليلات السياسية. خبرة تمتد لـ 10 سنوات في المجال الإعلامي الرقمي."

    Related Posts

    بعد التصريح الحكومي، رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنيةمن أهداف البرنامج إلى إصلاح المدرسة من داخل القسم: أسئلة الحكامة والإنصاف واليقظة التربوية

    لا إصلاح للتعلمات دون حكامة منصفة داخل المؤسسة بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ (RACHID MRITAKH) باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا الاستباقية إلى السيد محمد نبيل بنعبد الله، وزير التربية الوطنية والتكوين…

    قضية الـ61 مغربياً في الجزائر: بين الرواية الأمنية الجزائرية وصدى الرأي العام العربي والدولي

    قراءة تحليلية في طبيعة الأدلة، دلالات الخطاب الأمني، واحتمالات التوظيف السياسي بقلم: نزهة الإدريسي المملكة المغربية لا يمكن قراءة البيان الجزائري بشأن توقيف 61 شخصاً قيل إنهم يحملون الجنسية المغربية،…

    0 0 votes
    تقييم المادة

    Bir Cevap Yazın

    0 تعليقات
    Eskiler
    En Yeniler Beğenilenler

    You Missed

    🔴 عاجل: اليوم الرابع للعملية الإسرائيلية في الخليل.. نزوح قسري لـ 290 عائلة وحصار خانق

    • Yazar e3lamia
    • Ekim 26, 2026
    • 5 views
    🔴 عاجل: اليوم الرابع للعملية الإسرائيلية في الخليل.. نزوح قسري لـ 290 عائلة وحصار خانق

    احتجاجات جيل زد (Z) في فرنسا: هل تكشف أزمة التعليم التقليدي فجوة الاستجابة لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي؟

    • Yazar e3lamia
    • Ekim 26, 2026
    • 16 views
    احتجاجات جيل زد (Z) في فرنسا: هل تكشف أزمة التعليم التقليدي فجوة الاستجابة لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي؟

    انتخابات الكنيست 2026: هل يغيّر ارتفاع المشاركة العربية موازين القوىويُضعف فرص نتنياهو في تشكيل الحكومة؟

    • Yazar e3lamia
    • Ekim 25, 2026
    • 17 views
    انتخابات الكنيست 2026: هل يغيّر ارتفاع المشاركة العربية موازين القوىويُضعف فرص نتنياهو في تشكيل الحكومة؟

    محاربة الفساد في البرنامج الحكومي المغربي 2026–2031:من الالتزام السياسي إلى بناء منظومة فعالة للنزاهة

    • Yazar e3lamia
    • Ekim 21, 2026
    • 156 views
    محاربة الفساد في البرنامج الحكومي المغربي 2026–2031:من الالتزام السياسي إلى بناء منظومة فعالة للنزاهة

    بعد التصريح الحكومي، رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنيةمن أهداف البرنامج إلى إصلاح المدرسة من داخل القسم: أسئلة الحكامة والإنصاف واليقظة التربوية

    • Yazar e3lamia
    • Ekim 20, 2026
    • 243 views
    بعد التصريح الحكومي، رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنيةمن أهداف البرنامج إلى إصلاح المدرسة من داخل القسم: أسئلة الحكامة والإنصاف واليقظة التربوية

    همسة إلى وزير التربية الوطنية الجديد بالمغرب:من إصلاح البرامج إلى إصلاح منظومة الإصلاح، ومن تدبير الفائض والخصاص إلى استعادة الاستقرار المهني

    • Yazar e3lamia
    • Ekim 19, 2026
    • 218 views
    همسة إلى وزير التربية الوطنية الجديد بالمغرب:من إصلاح البرامج إلى إصلاح منظومة الإصلاح، ومن تدبير الفائض والخصاص إلى استعادة الاستقرار المهني
    0
    Would love your thoughts, please comment.x