من أزمة الثقة والإنصاف إلى رهانات المعرفة والعمل ومستقبل الأجيال
بقلم: الدكتورة دنيا تامري (Dr. Dounia Tamiri)
باحثة أكاديمية بينية تعنى بتقاطعات الاقتصاد الإسلامي وعلم النفس التربوي والذكاء الاصطناعي، مهتمة بكيفية توظيف التقنيات الذكية في المساقات التعليمية المعاصرة في ظل التحول الرقمي
تشهد فرنسا منذ سبتمبر 2026 موجة من الاحتجاجات الطلابية، انطلقت من مؤسسات التعليم الثانوي، وامتدت إلى الجامعات، واستقطبت دعم قطاعات اجتماعية ونقابية مختلفة. وقد تركزت المطالب على نقص الأطر التربوية، والاكتظاظ، وتدهور البنيات التعليمية، والتفاوت في الفرص، فضلًا عن القلق المتزايد بشأن المسارات الدراسية والآفاق المهنية. وبلغت التعبئة إحدى محطاتها البارزة يوم 13 أكتوبر، بمشاركة تراوحت تقديراتها بين 161,500 شخص وفق السلطات الفرنسية و480,000 وفق التنظيمات الداعية إلى الاحتجاج [1].

وللمزيد من التحليلات والمقالات للدكتورة دنيا تامري، زوروا موقعنا e3lamia.com.
غير أن دلالة هذه الأحداث لا تختزل في أعداد المشاركين أو طبيعة مطالبهم؛ فما رافقها من توقيفات وإصابات خطيرة في صفوف القاصرين يعيد إلى الواجهة أسئلة تتعلق بحقوق الإنسان، وحدود التدخل الأمني، وعلاقة الأجيال الجديدة بالمؤسسات التعليمية. وهي أسئلة تزداد أهمية في سياق تحولات تكنولوجية ومعرفية ومهنية باتت تفرض على الأنظمة التعليمية مراجعة وظائفها وأولوياتها.
ومن هنا تتجاوز قراءة هذه الاحتجاجات بعدها الظرفي لتطرح إشكالية أعمق: هل تعكس أزمة موارد وتدبير فحسب، أم تكشف أيضًا عن فجوة متنامية بين النموذج التعليمي القائم وانتظارات أجيال تتشكل علاقتها بالمعرفة والعمل والمستقبل في ظل الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي؟
1. التعليم والحقوق: حين تصبح كرامة المتعلم جزءًا من الأزمة
أعادت الاحتجاجات الفرنسية قضية حماية القاصرين إلى قلب النقاش الحقوقي، بعد تسجيل إصابات بالغة، من بينها فقدان تلميذ يبلغ خمسة عشر عامًا يده بمدينة لانس، وإصابة تلميذ آخر بفقدان البصر في إحدى عينيه، في وقائع مرتبطة بتدخلات أمنية خضعت للتحقيق [2].
وفقًا لمعطيات نشرتها صحيفة Le Monde، سجلت السلطات الفرنسية 6,059 عملية توقيف بين 28 سبتمبر و5 أكتوبر، أفضت إلى وضع 5,060 شخصًا رهن الحراسة النظرية، كان 87% منهم قاصرين. وهذه الأرقام، وإن كانت لا تعني صدور أحكام بالسجن بحق الموقوفين، تثير تساؤلات مشروعة بشأن مدى تناسب الإجراءات المتخذة مع طبيعة الاحتجاجات والفئات العمرية المشاركة فيها [2].
ولا تعني حماية الحق في الاحتجاج التساهل مع الاعتداء على الأشخاص أو الممتلكات، كما أن مسؤولية الدولة عن حفظ النظام العام لا تمنحها صلاحية استخدام القوة دون ضوابط. فالمعيار الحقوقي يقتضي حماية المتظاهرين السلميين، والتحقيق المستقل في الإصابات والانتهاكات المحتملة، ومراعاة الحماية الخاصة الواجبة للقاصرين.
وتقودنا هذه الوقائع إلى إشكالية أخرى تتعلق باتساق المعايير في الخطاب الإعلامي والحقوقي الدولي. ففي بعض التغطيات المرتبطة بأزمات الدول العربية، قد تتحول الانتهاكات إلى مدخل واسع للحكم على واقع الحقوق والمؤسسات، بينما قد تُقرأ أحداث مشابهة داخل دول غربية في إطار ضرورات الأمن العام وتعقيدات التدبير السياسي.
ومع أن مؤسسات إعلامية وحقوقية غربية وثقت بالفعل الانتهاكات المرتبطة بالاحتجاجات الفرنسية وانتقدتها، فإن ذلك لا يلغي مشروعية التساؤل عن مدى تساوي المعايير النقدية والتفسيرية بين السياقات المختلفة. وتظل الإجابة الدقيقة رهينة تحليل مقارن للتغطيات، لا إطلاق أحكام عامة.
فالقيمة الحقيقية لعالمية حقوق الإنسان تظهر في اتساق حمايتها، لا في انتقائية استحضارها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأطفال والقاصرين.
2. جيل زد (Z): أزمة موارد أم أزمة ثقة ومعنى؟
تتصل المطالب المباشرة للمحتجين باختلالات تعليمية واضحة، غير أن الحدث يتيح النظر إلى أبعاد نفسية واجتماعية تتجاوز الموارد والتجهيزات، وتلامس طبيعة العلاقة بين الأجيال الجديدة والمؤسسة التعليمية.
ولا ينبغي، هنا، التعامل مع جيل زد بوصفه كتلة متجانسة، أو نسبة الاحتجاجات إليه وحده؛ فالحراك يضم فئات عمرية مختلفة، كما أن دوافع المشاركة فيه لا يمكن اختزالها في الانتماء الجيلي.
ومع ذلك، يصعب تجاهل التحولات التي أحدثتها البيئة الرقمية في طرق الوصول إلى المعرفة والتواصل وتشكيل الانتظارات. فالأجيال التي نشأت في ظل المنصات التفاعلية والتدفق المستمر للمعلومات تواجه واقعًا تختلف فيه مصادر التعلم وإيقاعات التفاعل وتصورات النجاح عن تلك التي قامت عليها كثير من الممارسات المدرسية التقليدية.
وفي هذا السياق، لا تتحدد جودة التجربة التعليمية بما يتلقاه المتعلم من معارف فحسب، بل تشمل أيضًا إحساسه بالإنصاف والاعتراف والانتماء، ومدى مشاركته في القرارات التي تؤثر في مساره، وثقته في جدوى ما يتعلمه بالنسبة إلى مستقبله.
وهنا تبرز فرضية تستحق البحث: هل تتعمق أزمة التعليم حين تتراجع الثقة في قدرة المؤسسة على تحقيق تطلعات المتعلم، حتى عندما لا تكون مشكلاتها مقتصرة على نقص الموارد؟
إن الفصل بين الحاجات المادية والأبعاد النفسية والاجتماعية للتعلم قد يحجب جانبًا مهمًا من الأزمة. فالمدرسة ليست فضاءً لتلقي المعرفة فقط، وإنما مؤسسة لبناء الشخصية والعلاقات الاجتماعية والإحساس بالمستقبل.
3. الثورة الصناعية الرابعة: هل تجاوز العالم حاجيات التعليم التقليدي؟
تتزامن هذه التحولات الاجتماعية مع تغير عميق في طبيعة المعرفة والعمل. فالذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والحوسبة المتقدمة، وتحليل البيانات الضخمة، لم تعد مجرد ابتكارات تقنية منفصلة عن الحياة اليومية، بل أصبحت عناصر مؤثرة في أنماط الإنتاج والتواصل واتخاذ القرار، وفي الكفايات التي تحتاجها المجتمعات والمؤسسات.
ويشير تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى توقع تغير أو تقادم نحو 39% من المهارات المهنية الحالية بحلول سنة 2030، وفق تقديرات أصحاب العمل المشاركين في الدراسة. كما تشير منظمة العمل الدولية إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي مرشح لإعادة تشكيل مهام عدد كبير من الوظائف، دون أن يعني ذلك اختفاء معظم المهن بصورة حتمية [6، 7].
وتكشف هذه المعطيات عن تحدٍّ يتجاوز تحديث البرامج التعليمية، ليمس الغايات التي يقوم عليها التكوين نفسه. فإذا كانت بعض الكفايات تتغير خلال سنوات قليلة، فإن إعداد المتعلم لمهنة واحدة وفق تصور ثابت لمتطلباتها يصبح أقل كفاية من تأهيله للتعلم المستمر والتكيف مع التحولات المهنية.
ولا يتعلق الأمر بإقصاء المعارف الأساسية أو التقليل من أهمية التخصص، بل بإعادة النظر في العلاقة بين التكوين الأولي والمسار المهني، وبين الشهادة والكفاية، وبين المعرفة المكتسبة والقدرة على تطويرها.
فكيف تستطيع منظومة تعليمية تستغرق سنوات في إعداد مناهجها وتحديث تخصصاتها أن تستجيب لعالم تتغير فيه الأدوات والمهارات والحاجيات الاجتماعية والمهنية بوتيرة متسارعة؟
4. الذكاء الاصطناعي ومستقبل المدرسة: نحو تجديد العقد التربوي
دعت اليونسكو، في تقريرها الصادر سنة 2021، إلى إعادة تصور مستقبل التعليم من خلال عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والتعاون والتعلم مدى الحياة. وهي دعوة تنقل النقاش من إصلاح الوسائل إلى مراجعة الغايات والوظائف التي ينبغي أن تنهض بها المؤسسة التعليمية [5].
وفي تقرير آفاق التعليم الرقمي 2026، نبهت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي قد تحسن جودة الأعمال التي ينتجها المتعلم، دون أن تضمن بالضرورة تحقق تعلم فعلي، خصوصًا عندما تحل الأداة محل الجهد الذهني بدل أن تدعمه [8].
وتبرز هنا مفارقة تربوية أساسية: فقد يصبح الطالب قادرًا على إنتاج نص متقن أو حل مسألة معقدة بمساعدة نظام ذكي، دون أن يمتلك بالضرورة الفهم الذي يمكنه من تفسير النتيجة أو مناقشتها أو إعادة إنتاجها بصورة مستقلة.
ولهذا فإن مستقبل المدرسة لا يتحدد بعدد الأدوات الرقمية التي توفرها، وإنما بقدرتها على توظيفها في بناء تعلم حقيقي، وتنمية التفكير النقدي والإبداع والاستقلالية والمسؤولية الأخلاقية.
ويستدعي ذلك تطوير تكوين الأساتذة، ومراجعة بعض أساليب التقويم، وإتاحة مسارات تعليمية أكثر مرونة، وتعزيز التكامل بين التخصصات، مع المحافظة على الوظائف الإنسانية والاجتماعية للمدرسة.
لكن أي تحول من هذا القبيل سيظل محدود الأثر ما لم يقترن بالعدالة التعليمية، وتكافؤ الفرص، وتحسين الظروف الأساسية للتعلم. فلا يمكن أن نتحدث عن مدرسة المستقبل بينما لا تزال مؤسسات قائمة تواجه صعوبات في توفير شروط التعليم الحاضر.
خاتمة
إن الاحتجاجات الطلابية في فرنسا، على ما تطرحه من مطالب تعليمية وإشكالات حقوقية مباشرة، تتيح التأمل في أزمة أوسع تتصل بعلاقة المدرسة بالتحولات الاجتماعية والمعرفية والمهنية التي يعرفها العالم.
ولا يصح اعتبارها دليلًا قاطعًا على فشل النموذج التعليمي التقليدي، لكنها مناسبة لمساءلة حدود هذا النموذج، ومدى قدرته على التجدد، والاستجابة لحاجيات أجيال تختلف بيئات تنشئتها وتوقعاتها عن تلك التي تشكلت فيها كثير من النظم التعليمية القائمة.
ولعل التحدي الأعمق لا يكمن في الاختيار بين المدرسة التقليدية والتكنولوجيا الحديثة، وإنما في إعادة بناء العلاقة بينهما على أساس تربوي وإنساني يجعل التقنية وسيلة لتوسيع فرص التعلم، لا بديلًا عن التفكير أو عن الدور الإنساني للمؤسسة التعليمية.
ومن ثم، فإن إصلاح اختلالات الحاضر، على ضرورته، لا ينبغي أن يحجب مسؤولية الاستعداد للمستقبل؛ مستقبل تتغير فيه المهن والكفايات، بينما تظل الحاجة قائمة إلى إنسان قادر على الفهم والنقد والإبداع والتكيف، ومتمسك بقيمه وكرامته ومسؤوليته الاجتماعية.
فالسؤال لم يعد مقتصرًا على نوع التعليم الذي نريد تقديمه لأبنائنا اليوم، بل يمتد إلى طبيعة الإنسان الذي نريد تأهيله لعالم الغد، والمعرفة والقيم والكفايات التي تمكنه من الإسهام في بنائه.
المراجع والمصادر:
1. Le Monde (13 octobre 2026). Mouvement lycéen : entre 161 500 et 480 000 personnes ont manifesté mardi 13 octobre 2026.
2. Carpentier, A., & Pommiers, E. (2026). Mobilisation lycéenne : les questions soulevées par deux semaines d’interventions policières. Le Monde, 8 octobre. الاطلاع على التحقيق.
3. Amnesty International France (2026). Mouvement lycéen : des mineurs face à la répression des forces de l’ordre. التقرير الحقوقي.
4. UNICEF France (7 octobre 2026). Mobilisations lycéennes : écouter les jeunes et garantir leurs droits. البيان.
5. UNESCO (2021). Reimagining Our Futures Together: A New Social Contract for Education. التقرير.
6. World Economic Forum (2025). The Future of Jobs Report 2025. التقرير.
7. International Labour Organization (2025). Generative AI and Jobs: A 2025 Update. الدراسة.
8. OECD (2026). OECD Digital Education Outlook 2026. التقرير.
9. UNESCO (2024). AI Competency Framework for Students. الإطار المرجعي.
10. UNESCO (2024). AI Competency Framework for Teachers. الإطار المرجعي.





