قراءة تحليلية في طبيعة الأدلة، دلالات الخطاب الأمني، واحتمالات التوظيف السياسي
بقلم: نزهة الإدريسي
المملكة المغربية
لا يمكن قراءة البيان الجزائري بشأن توقيف 61 شخصاً قيل إنهم يحملون الجنسية المغربية، ومن بينهم عسكري سابق بالجيش المغربي، بمعزل عن السياق المتوتر للعلاقات بين البلدين. فالقضية، بما تتضمنه من اتهامات بالتحضير لأعمال تخريبية، تطرح أسئلة تتجاوز واقعة التوقيف إلى طبيعة الأدلة، ودلالات الخطاب الأمني، واحتمالات التوظيف السياسي.
وللمزيد من التحليلات الجيوسياسية، زوروا موقعنا e3lamia.com.
التمييز بين الوقائع المعلنة والاستنتاجات
أول ما يستدعي الانتباه هو ضرورة التمييز بين الوقائع المعلنة والاستنتاجات التي أُلحقت بها. فالعثور على جوازات سفر مغربية، أو وجود أموال بالدرهم واليورو، أو ثبوت الانتماء السابق لأحد الموقوفين إلى المؤسسة العسكرية، لا يشكل في حد ذاته دليلاً على وجود مخطط تخريبي. فهذه المعطيات لا تكتسب دلالتها الجنائية إلا إذا ربطتها أدلة واضحة بطبيعة الأفعال المزعومة، والجهات المستهدفة، والأدوار المنسوبة إلى المشتبه فيهم.
وهذا الأمر يتطلب تحقيقات مكثفة قد تستغرق وقتا طويلا لاسابيع او شهور تقريباً… وسرعة البيان والاتهامات التي جاءت به تضعف كثيرا من مزاعم السلطات الجزائرية.
كما أن المسار الذي تحدثت عنه السلطات الجزائرية، من تونس عبر الحدود إلى منطقة القالة ثم إلى وهران، يستدعي التحقق من ظروف الدخول والتنقل والغرض منهما. فعبور الحدود بصورة غير نظامية قد يشكل مخالفة قانونية، لكنه لا يثبت تلقائياً وجود مشروع أمني أو تخريبي. وفي المقابل، لا يمكن استبعاد الاتهام أو تأكيده قبل الاطلاع على نتائج التحقيق والأدلة المتاحة.
دلالة وجود عسكري سابق والتوظيف السياسي
وتكتسب القضية أبعاداً إضافية بسبب الإشارة إلى عسكري سابق في الجيش المغربي؛ إذ قد تدفع هذه المعلومة الرأي العام إلى الربط بين المجموعة والمؤسسة العسكرية المغربية. غير أن الخدمة العسكرية السابقة لا تثبت استمرار أي ارتباط مؤسسي، ما لم تدعمها أدلة مستقلة. والا سيبقى الغرض هو دفع المتلقي الى الربط بين مزاعم الاطروحة الجزائرية ” العملية التخريبية ” والمؤسسة العسكرية المغربية لتوريطها في اعمال خارجة عن القانون الدولي وبالتالي توظيفها سياسيا لصالح الجزائر ضمن قضية الصحراء المغربية.
السياق السياسي وفرضية الهجرة غير النظامية
أما سياسياً، فإن القطيعة الدبلوماسية بين المغرب والجزائر، والتنافس الإقليمي، واستمرار الخلاف حول الصحراء المغربية، كلها عوامل تجعل أي قضية أمنية بين البلدين قابلة للتأويل والتصعيد الإعلامي. وقد يثير توقيت الإعلان تساؤلات بشأن انعكاساته على التوازنات الإقليمية.
وفي مقابل الرواية الجزائرية، طُرحت فرضية غير رسمية تربط المجموعة بالهجرة غير النظامية نحو أوروبا.
خلاصة: الشفافية القضائية هي السبيل
إن خطورة القضية لا تكمن فقط في الاتهامات المعلنة، بل في احتمال تحولها إلى مادة جديدة لتغذية انعدام الثقة بين البلدين. فالأمن القومي حق مشروع لكل دولة، لكنه لا يعفيها من واجب إثبات الاتهامات واحترام قرينة البراءة وضمان المحاكمة العادلة.
خلاصة القول إن السؤال المركزي ليس من يملك الرواية الأقوى إعلامياً، بل من يملك الدليل الذي يثبتها. فبين مقتضيات الأمن واحتمالات التوظيف السياسي، تظل الشفافية القضائية والفصل بين الاشتباه والإدانة السبيل الأمثل لفهم القضية، ومنع تحولها إلى وقود إضافي لصراع إقليمي يدفع الشعبان المغربي والجزائري ثمن استمراره.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبقى السؤال المطروح أمام الرأي العام: هل نحن أمام قضية أمنية ستكشف التحقيقات عن حقيقتها بالأدلة، أم أننا أمام ملف قد تتداخل فيه الاعتبارات السياسية مع الوقائع الميدانية، بما يزيد من تعقيد العلاقات المغربية الجزائرية؟






