بقلم: خالد جمال عبد الحميد
خلال السنوات الأخيرة تصاعدت النقاشات حول حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، وهو أمر طبيعي ومطلوب في أي مجتمع يسعى إلى تحقيق العدالة والكرامة الإنسانية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زلنا نتحدث عن المساواة، أم أن بعض الخطابات بدأت تتحول من المطالبة بالحقوق إلى إقصاء الطرف الآخر؟
لا أرى مشكلة في الدفاع عن المرأة أو المطالبة بحقوقها، بل إن المجتمعات المتقدمة لا يمكن أن تنهض دون تمكين المرأة وإعطائها كامل حقوقها الإنسانية والقانونية. المشكلة تبدأ عندما تتحول بعض الأصوات إلى اعتبار الرجل خصمًا يجب هزيمته، أو عقبة يجب تجاوزها، أو كائنًا فقد أهميته في المجتمع الحديث.
الحقيقة أن الأسرة لم تُبنَ يومًا على الصراع، بل على التكامل. فالرجل ليس عدو المرأة، والمرأة ليست منافسة للرجل. كلاهما شريكان في رحلة الحياة، لكل منهما دوره ومسؤوليته وقدراته التي تساهم في بناء المجتمع.
إن اختزال العلاقة بين الرجل والمرأة في معركة دائمة لا يخدم أحدًا. فالمجتمعات التي تتبنى خطاب الكراهية بين الجنسين تدفع الثمن في النهاية من استقرار الأسرة وتماسك المجتمع وصحة الأجيال الجديدة.
المطلوب اليوم ليس الانحياز للرجل ضد المرأة، ولا للمرأة ضد الرجل، بل الانحياز لمبدأ العدالة نفسه. فالعدالة لا تعني أن ينتصر طرف ويُهزم آخر، وإنما تعني أن يحصل كل إنسان على حقه دون انتقاص أو تمييز.
وفي خضم هذا الجدل المتصاعد حول قضايا الأسرة والمرأة والرجل، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: ما المرجعية التي يجب أن تستند إليها القوانين المنظمة للعلاقات الأسرية والاجتماعية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟
من وجهة نظري، فإن أي تشريعات تمس الأسرة أو الزواج أو الطلاق أو حضانة الأبناء أو الحقوق والواجبات المتبادلة بين الرجل والمرأة يجب أن تنطلق من أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها، باعتبارها المرجعية الحضارية والدينية التي ارتضاها المجتمع عبر تاريخه.
ولا يعني ذلك الجمود أو رفض التطور، وإنما يعني أن يكون التطور منسجمًا مع هوية المجتمع وثوابته وقيمه الأساسية. فالقانون الذي يفقد ارتباطه بثقافة المجتمع وعقيدته يصبح عرضة للرفض والصدام مهما كانت النوايا التي تقف وراءه.
ومن هنا أرى أن يكون لـ الأزهر الشريف دور أكثر فاعلية وتأثيرًا في مناقشة وصياغة التشريعات المرتبطة بالأسرة والهوية والقيم المجتمعية، بما يملكه من مكانة علمية ودينية وتاريخية، وبما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات العصر وثوابت الشريعة الإسلامية.
إن العدالة الحقيقية لا تتحقق بإقصاء الرجل أو الانتقاص من المرأة، كما لا تتحقق باستيراد نماذج وتشريعات من مجتمعات تختلف عنا في ثقافتها وتاريخها ومنظومتها القيمية، وإنما تتحقق من خلال قوانين عادلة تحفظ الحقوق وتؤدي الواجبات وتحافظ على تماسك الأسرة باعتبارها اللبنة الأولى في بناء المجتمع.
إنني أؤمن بأن المرأة تستحق الاحترام والفرص والحقوق الكاملة، كما أؤمن أن الرجل يستحق التقدير والإنصاف وعدم تصويره باعتباره مصدر كل المشكلات. وبين هذا وذاك تبقى الحقيقة البسيطة التي يحاول البعض تجاهلها: لا يمكن لمجتمع أن ينهض بجناح واحد.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الرجل والمرأة، بل بين من يؤمن بالتكامل ومن يؤمن بالصراع، بين من يسعى لبناء الأسرة ومن يسعى لتفكيكها، وبين من يبحث عن العدالة ومن يبحث عن الهيمنة.
وللمزيد من مقالات مشابهة للكاتب خالد جمال عبد الحميد المرجو متابعتنا على e3lamia.com








