بقلم: الدكتورة دنيا تامري
لم يعد الذكاء الاصطناعي يمثل مجرد تطور في الأدوات الرقمية، بل أصبح أحد المداخل الرئيسة لفهم التحولات التي تشهدها العلوم الإنسانية والمجالات المهنية المرتبطة بها. فقد أفضى اندماجه في عمليات إنتاج المعرفة والتواصل وتحليل البيانات إلى إعادة النظر في كثير من المفاهيم والممارسات، بما جعل العلاقة بين الإنسان والتقنية أكثر تعقيدًا، وأكثر حاجة إلى التأطير العلمي والأخلاقي.
وللمزيد من التحليلات حول تأثير التكنولوجيا على المجتمع، زوروا موقعنا e3lamia.com.
ويبرز الإعلام في مقدمة المجالات التي تأثرت بهذه التحولات، إذ أوجدت تطبيقات الذكاء الاصطناعي إمكانات نوعية لتطوير الممارسة الإعلامية، بالتوازي مع بروز تحديات تتصل بالمصداقية، والشفافية، والخصوصية، والتحيز الخوارزمي، والمسؤولية المهنية. ومن ثم، لم يعد تطوير الأداء الإعلامي رهينًا بإتقان التقنيات فحسب، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بترسيخ الوعي النقدي والقيم التي تؤطر استخدامها.
وانطلاقًا من هذا المنظور، يتناول هذا المقال أثر الذكاء الاصطناعي في التحول الرقمي للإعلام من خلال مقاربة إنسانية وأخلاقية، تستحضر التوازن بين التطور التقني ومتطلبات المسؤولية المهنية، وتناقش انعكاسات هذا التحول على الممارسة الإعلامية، وتكوين الإعلاميين، وأسس الاستخدام المسؤول للتقنيات الرقمية بما يعزز خدمة الإنسان والحقيقة والمصلحة العامة.
الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في المجال الإعلامي
لم يكن التحول الرقمي في الإعلام حدثا مفاجئا، بل جاء نتيجة تراكمات تقنية متتالية بدأت مع الانتقال إلى النشر الإلكتروني، ثم تطورت مع انتشار المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، لتصل اليوم إلى مرحلة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءا من مختلف العمليات الإعلامية. ولم يعد دوره مقتصرا على دعم بعض المهام التقنية، وإنما امتد ليشارك في البحث عن المعلومات، وتحليل البيانات، وصياغة النصوص، وإنتاج الصور والفيديوهات، وترجمة المحتوى، ورصد اتجاهات الجمهور، بل وحتى اقتراح زوايا المعالجة الصحفية.
وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تعريف طبيعة العمل الإعلامي، إذ انتقل الإعلامي من تنفيذ كثير من المهام بصورة مباشرة إلى الإشراف على أدوات ذكية قادرة على إنجاز جزء معتبر من تلك المهام في وقت وجيز. غير أن سرعة الإنجاز لا تعني بالضرورة جودة المخرجات؛ فالمحتوى الذي تنتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي يظل في حاجة إلى المراجعة البشرية، والتحقق من دقته، والتأكد من سلامته المهنية والأخلاقية.
وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة حقيقية لتطوير الاتصال والإعلام، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات جديدة تتعلق بالمصداقية، والشفافية، وحماية الحقوق، وهو ما يستدعي بناء كفاءات بشرية قادرة على توظيف هذه التقنيات بصورة مسؤولة، بدلا من التعامل معها باعتبارها بديلا عن الإنسان. وقد شددت المنظمة في توصيتها بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (2021) على أن الإنسان يجب أن يظل محور تصميم هذه التقنيات واستخدامها، وأن تبقى كرامته وحقوقه وحرياته المرجع الأساسي في جميع تطبيقاتها.
ومن جهة أخرى، لم تعد المؤسسات الإعلامية الكبرى تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعا مستقبليا، بل أصبح جزءا من بيئة العمل اليومية. فقد أظهرت تقارير معهد رويترز لدراسة الصحافة أن غرف الأخبار في عدد متزايد من المؤسسات الإعلامية الدولية بدأت تعتمد تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التحرير، والتلخيص، والبحث، وتحليل البيانات، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة وجود سياسات تحريرية واضحة تضبط استخدام هذه الأدوات وتحافظ على المسؤولية المهنية للصحفي.
ويفرض هذا الواقع إعادة التفكير في مفهوم الكفاءة الإعلامية ذاته. فإذا كانت الكفاءة في السابق تقاس بقدرة الإعلامي على جمع المعلومات وصياغتها ونشرها، فإنها أصبحت اليوم تشمل أيضا قدرته على فهم حدود الأنظمة الذكية، وتمييز مواطن القوة والقصور فيها، والتحقق من نتائجها، واتخاذ القرار التحريري المستقل. ومن هنا، لم يعد السؤال المطروح هو: هل سيستخدم الإعلامي الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف يمكن أن يستخدمه استخداما يحافظ على جودة العمل الإعلامي وثقة الجمهور؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تبدأ داخل المؤسسة الإعلامية، وإنما تبدأ قبل ذلك داخل مؤسسات التكوين، حيث تتشكل المعارف والمهارات والقيم التي ستوجه الممارسة المهنية مستقبلا. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في فلسفة تدريس الإعلام، حتى يصبح قادرا على مواكبة التحولات التقنية دون أن يفقد رسالته التربوية والمجتمعية.
تدريس الإعلام أمام التحولات التقنية الجديدة
ما الذي ينبغي أن يتغير أولا: أدوات العمل الإعلامي أم طريقة إعداد الإعلاميين؟ يبدو هذا السؤال اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، لأن التحول الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي لم يقتصر على غرف الأخبار، بل امتد إلى الجامعات التي تتولى إعداد الإعلاميين. فإذا كانت الممارسة المهنية قد تغيرت، فإن استمرار برامج التكوين بالمنطق نفسه يهدد بإنتاج خريجين يمتلكون معارف لم تعد تستجيب بالقدر الكافي لواقع المهنة.
وتؤكد المؤشرات الدولية أن هذا التحول أصبح واقعا ملموسا. فقد أظهر تقرير Reuters Institute Digital News Report أن المؤسسات الإخبارية توسع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى وتحليله، في الوقت الذي يزداد فيه اهتمام الجمهور بمعرفة كيفية استخدام هذه الأدوات وتأثيرها في مصداقية الأخبار. كما يشير تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) إلى أن التفكير التحليلي، والتعلم المستمر، والكفاءة الرقمية أصبحت من أكثر المهارات طلبا في سوق العمل، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين التحولات المهنية المتسارعة والبرامج التعليمية التي لا تزال تتطور بوتيرة أبطأ.
ولا يقتصر هذا التحدي على تحديث بعض المقررات أو إدراج أدوات رقمية جديدة داخل قاعات الدرس، بل يتعلق بإعادة النظر في فلسفة تدريس الإعلام نفسها. فالمهنة لم تعد تقوم على إنتاج المحتوى فقط، وإنما أصبحت تتطلب فهما لطبيعة الأنظمة الذكية، والقدرة على تقييم مخرجاتها، والتمييز بين ما تنتجه الخوارزميات وما يحتاج إلى حكم إنساني قائم على الخبرة والمسؤولية المهنية.
ومن هذا المنطلق، يتغير أيضا دور الأستاذ الجامعي. فلم يعد المصدر الوحيد للمعرفة، بل أصبح موجها لعملية التعلم، يساعد الطلبة على توظيف التقنيات الحديثة بطريقة واعية، ويعزز لديهم مهارات التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، وتحليل السياقات الإعلامية، واتخاذ القرار المهني في المواقف التي لا يمكن للتقنيات الذكية أن تحسمها بمفردها. وفي المقابل، ينتقل الطالب من موقع المتلقي إلى موقع الباحث والمحلل، القادر على التعلم الذاتي، ومساءلة مخرجات الذكاء الاصطناعي، واستخدامها دون أن يفقد استقلالية تفكيره.
وتنسجم هذه الرؤية مع ما تؤكد عليه منظمة اليونسكو في تقاريرها الخاصة بالذكاء الاصطناعي والتعليم، والتي ترى أن نجاح إدماج هذه التقنيات لا يقاس بعدد التطبيقات المستخدمة، وإنما بقدرة المؤسسات التعليمية على تنمية التفكير النقدي، وصون النزاهة الأكاديمية، وحماية الخصوصية، وترسيخ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أن تطوير المناهج وتأهيل أعضاء هيئة التدريس يمثلان شرطين أساسيين لأي إصلاح حقيقي في تعليم الإعلام.
وفي ضوء ذلك، يصبح من الضروري أن تعيد كليات الإعلام بناء برامجها بما يواكب التحولات المهنية الراهنة، من خلال إدماج موضوعات مثل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والتحقق من المحتوى الرقمي، وتحليل البيانات الإعلامية، والكشف عن المحتوى الاصطناعي والتزييف العميق، إلى جانب تنمية مهارات البحث العلمي، والعمل التعاوني، والتعلم المستمر. فهذه الكفايات لم تعد تمثل قيمة مضافة، بل أصبحت جزءا من الكفاءة المهنية التي يتوقعها سوق العمل من خريجي الإعلام.
ويمكن القول، في نهاية المطاف، إن مستقبل الإعلام يبدأ من الجامعة قبل أن يبدأ من غرفة الأخبار. فكلما نجحت مؤسسات التكوين في الجمع بين التطور التقني، والتفكير النقدي، والالتزام الأخلاقي، ازدادت قدرتها على إعداد إعلاميين يوظفون الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتعزيز جودة العمل الإعلامي، لا بديلا عن الإنسان أو عن مسؤوليته المهنية.
الكفايات المطلوبة في تكوين الإعلامي في عصر الذكاء الاصطناعي
لم يعد التحدي الرئيس أمام مؤسسات تكوين الإعلاميين يتمثل في مواكبة التطور التقني فحسب، بل في تحديد نوعية الكفايات التي يحتاجها الإعلامي ليحافظ على قيم المهنة في بيئة تتزايد فيها قدرة الأنظمة الذكية على إنتاج المحتوى وتحليله وتداوله. فالتكنولوجيا تتغير بوتيرة متسارعة، بينما تبقى المسؤولية المهنية والحكم الأخلاقي والتفكير النقدي عناصر لا يمكن الاستغناء عنها مهما بلغت درجة تطور الذكاء الاصطناعي.
وتشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تحولا عميقا في طبيعة المهارات المطلوبة، حيث تتقدم مهارات التفكير التحليلي، والمرونة، والتعلم المستمر، والإلمام بالتقنيات الرقمية قائمة الكفايات الأكثر طلبا في سوق العمل، في مقابل تراجع أهمية عدد من المهام الروتينية القابلة للأتمتة. ويكشف هذا التحول أن قيمة الإعلامي مستقبلا لن تقاس بقدرته على إنجاز الأعمال التي تستطيع الخوارزميات تنفيذها، بل بقدرته على أداء ما تعجز عنه هذه الخوارزميات، وفي مقدمة ذلك الفهم النقدي، والتقدير المهني، واستيعاب السياقات الإنسانية والثقافية.
وانطلاقا من هذا الواقع، لم يعد تكوين الإعلامي قائما على تنمية المهارات التقنية وحدها، وإنما أصبح يرتكز على بناء منظومة متكاملة من الكفايات. وتأتي في مقدمتها الكفاية النقدية، باعتبارها الأساس الذي يمكن الإعلامي من مساءلة المعلومات، والتحقق من مصادرها، واكتشاف أوجه التحيز أو التضليل، وعدم التسليم بمخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها حقائق نهائية. وتنسجم هذه الرؤية مع ما تؤكد عليه اليونسكو في إطار التربية الإعلامية والمعلوماتية، حيث تعد التفكير النقدي شرطا أساسيا لبناء إعلام مسؤول في البيئة الرقمية.
وتتطلب الممارسة الإعلامية الحديثة أيضا امتلاك كفاية رقمية تتجاوز الاستخدام التقني للأدوات إلى فهم منطق عملها. فالإعلامي مطالب بإدراك كيفية تدريب النماذج الذكية، وطبيعة البيانات التي تعتمد عليها، وحدودها المعرفية، ومواطن التحيز المحتملة في نتائجها، حتى يستطيع توظيفها بوعي، لا أن يتحول إلى مستخدم يعتمد عليها بصورة آلية أو غير ناقدة.
غير أن التطور التقني يفقد كثيرا من قيمته إذا لم يرافقه وعي أخلاقي راسخ. فمع تزايد قدرة الأنظمة الذكية على إنتاج النصوص والصور والفيديوهات، تتعاظم مسؤولية الإعلامي في التحقق من صحة المحتوى، واحترام الخصوصية، وحماية الملكية الفكرية، والإفصاح عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي متى كان لذلك أثر في ثقة الجمهور. لذلك، لا ينبغي النظر إلى أخلاقيات الإعلام باعتبارها مقررا مستقلا داخل البرامج الجامعية، بل إطارا ناظما لجميع الكفايات المهنية والتقنية.
وتبرز كذلك الكفاية البحثية باعتبارها إحدى ركائز الإعلام المعاصر. فإنتاج محتوى موثوق لم يعد رهينا بسرعة الوصول إلى الخبر، وإنما أصبح مرتبطا بالقدرة على تحليل البيانات، والرجوع إلى المصادر الأصلية، وقراءة التقارير والدراسات، وربط الوقائع بسياقاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وفي عصر تتدفق فيه المعلومات بصورة غير مسبوقة، تصبح قيمة الإعلامي في جودة التحليل والتفسير، لا في مجرد نقل الأحداث.
إن بناء هذه الكفايات يقتضي إعادة النظر في فلسفة التكوين الجامعي ذاتها. فالمناهج القائمة على التلقين ونقل المعارف لم تعد كافية لإعداد إعلاميين قادرين على التكيف مع بيئة مهنية متغيرة. وأصبح من الضروري اعتماد مقاربات تعليمية تقوم على التعلم بالمشروعات، وتحليل الحالات الواقعية، والمحاكاة، والعمل التعاوني، وتشجيع البحث الذاتي، بما يسهم في بناء شخصية مهنية قادرة على التعلم المستمر والتكيف مع التحولات المستقبلية.
وفي ضوء ذلك، يتبين أن الرهان الحقيقي لم يعد امتلاك أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإنما إعداد إعلامي يمتلك من الكفايات المعرفية والرقمية والنقدية والأخلاقية ما يمكنه من توظيف هذه التقنيات توظيفا واعيا ومسؤولا. فكل تطور تقني يظل محدود الأثر إذا لم يستند إلى إنسان قادر على توجيهه لخدمة الحقيقة، وتعزيز الثقة، وصون الدور المجتمعي للإعلام.
الأبعاد الأخلاقية والقانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام
كلما اتسعت قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج المحتوى الإعلامي، ازدادت الأسئلة المرتبطة بمسؤولية من ينتجه ومن ينشره ومن يحاسب عليه. ولم يعد النقاش الأخلاقي يدور حول مشروعية استخدام هذه التقنيات في حد ذاتها، بل حول الكيفية التي توظف بها، والضمانات التي تكفل ألا تتحول إلى أدوات لإضعاف الثقة في الإعلام أو المساس بحقوق الأفراد. وهنا يبرز تحد مزدوج: كيف يمكن الاستفادة من الإمكانات الهائلة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، دون التفريط في المبادئ التي يقوم عليها العمل الإعلامي؟
وتكشف التقارير الدولية أن هذا التحدي لم يعد افتراضيا، بل أصبح واقعا يفرض نفسه على المؤسسات الإعلامية وصناع القرار. فقد حذرت اليونسكو في توصيتها بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (2021) وفي إرشاداتها الخاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والإعلام (2023–2024) من أن الاستخدام غير المنضبط لهذه التقنيات قد يؤدي إلى تكريس التحيز، وانتهاك الخصوصية، وإضعاف الثقة في المعلومات، إذا لم يصاحبه إطار أخلاقي وقانوني واضح. كما أولى قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) أهمية خاصة للشفافية والإفصاح عن المحتوى المنتج أو المعدل بالذكاء الاصطناعي، حماية لحق الجمهور في المعرفة وتعزيزا لثقته في الفضاء الإعلامي.
ومن أبرز الإشكالات التي أفرزها هذا التحول التحيز الخوارزمي، إذ تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على بيانات قد تعكس اختلالات أو أنماطا اجتماعية وثقافية سابقة، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة إنتاجها بصورة آلية داخل المحتوى الإعلامي. ولا تكمن خطورة هذا التحيز في وقوع الخطأ فحسب، بل في صعوبة اكتشافه أحيانا، بسبب تعقيد النماذج الذكية واعتمادها على عمليات لا تكون دائما قابلة للتفسير. ومن ثم، يصبح الإعلامي مطالبا بعدم الاكتفاء بمخرجات هذه الأنظمة، وإنما بمراجعتها ونقدها قبل اعتمادها.
وتبرز كذلك ظاهرة التزييف العميق (Deepfakes) باعتبارها واحدة من أكثر التحديات إلحاحا. فقد أصبح بالإمكان إنتاج صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية تحاكي الواقع بدرجة عالية من الإتقان، بما يجعل التمييز بين الحقيقي والمصطنع أكثر صعوبة. ولا يقتصر أثر هذه الظاهرة على نشر الأخبار الزائفة، بل يمتد إلى تقويض ثقة الجمهور في المحتوى الإعلامي، وإضعاف القدرة على التحقق حتى من المواد الصحيحة، وهو ما يفرض على المؤسسات الإعلامية تطوير آليات أكثر صرامة للتحقق والإفصاح.
ولا تقل قضايا الخصوصية والملكية الفكرية أهمية عن ذلك. فتعتمد كثير من نماذج الذكاء الاصطناعي على كميات ضخمة من البيانات والنصوص والصور التي قد تكون محمية بحقوق النشر أو تتضمن معلومات شخصية. ولذلك، لم يعد احترام الخصوصية والحقوق الفكرية مجرد التزام قانوني، بل أصبح جزءا من المسؤولية الأخلاقية للإعلامي والمؤسسة الإعلامية على حد سواء، خاصة في ظل تنامي المطالب الدولية بإرساء حوكمة عادلة للبيانات واستخدامها.
وفي هذا السياق، يكتسب مبدأ الشفافية أهمية متزايدة. فثقة الجمهور لا ترتبط فقط بصحة الخبر، وإنما أيضا بمعرفته بالطريقة التي أُنتج بها. ولذلك، تتجه العديد من المرجعيات الدولية إلى التأكيد على ضرورة الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى أو تعديله متى كان لذلك أثر في فهم المتلقي أو في تقييمه لمصداقية المادة الإعلامية. فالشفافية ليست إجراء شكليا، بل إحدى الدعائم الأساسية للمساءلة المهنية.
وانطلاقا من ذلك، يتبين أن مواجهة التحديات الأخلاقية والقانونية لا تتحقق عبر سن التشريعات وحدها، ولا من خلال تطوير التقنيات وحدها، وإنما تتطلب بناء ثقافة مهنية تجعل من المسؤولية والشفافية واحترام حقوق الإنسان مبادئ حاكمة لجميع مراحل العمل الإعلامي. فكلما ارتبط التطور التقني بمنظومة أخلاقية واضحة، ازدادت قدرة الإعلام على الحفاظ على رسالته المجتمعية في عصر الذكاء الاصطناعي.
يفرض الذكاء الاصطناعي اليوم واقعًا جديدًا على الإعلام، لا باعتباره بديلًا عن الإنسان، بل أداةً تعيد تشكيل أساليب العمل والتواصل وإنتاج المعرفة. ومن هنا، فإن مواكبة هذا التحول لا تتحقق بمجرد توظيف التقنيات الحديثة، وإنما بإعداد إعلاميين قادرين على توظيفها بوعي نقدي ومسؤولية مهنية. فكلما تطورت الأدوات، ازدادت الحاجة إلى ترسيخ قيم المصداقية، والشفافية، واحترام الخصوصية. ويبقى الرهان الحقيقي هو أن تظل التقنية في خدمة الإنسان، وأن يبقى الإعلام وفيًا لرسالته في خدمة الحقيقة والمجتمع.
المراجع المعتمدة
- منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). (2021). توصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
- منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). (2023). إرشادات استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث.
- معهد رويترز لدراسة الصحافة. (2024). التقرير الرقمي للأخبار 2024. جامعة أكسفورد.
- الاتحاد الدولي للصحفيين. (2023). مدونة أخلاقيات الصحافة والمبادئ المهنية.
- المنتدى الاقتصادي العالمي. (2023). تقرير مستقبل الوظائف 2023.
- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. (2019). مبادئ الذكاء الاصطناعي.
- ماكلوهان، مارشال. (1964). فهم وسائل الإعلام: امتدادات الإنسان. ماكغرو-هيل.
- كاستلز، مانويل. (2010). صعود مجتمع الشبكات. وايلي بلاكويل.
- كولدري، نِك، وميخياس، أوليسيس أ. (2019). تكلفة الاتصال: كيف تستعمر البيانات الحياة الإنسانية. مطبعة جامعة ستانفورد.






