المقاومة بالصمود تتجلى بأبهى صورها في منطقة وادي محيسن قرب بلدة حلحول شمال الخليل، حيث يعيش الفلسطيني يونس عقل (أبو محمد) وعائلته حصاراً خانقاً منذ سنوات، لكنه يرفض الرضوخ لمعادلة التهجير. وتحاصره قوات الاحتلال الإسرائيلي وجحافل المستوطنين من كل حدب وصوب، منتصبة أمام منزله 6 بوابات حديدية عسكرية و4 بؤر استيطانية، لت превي حياته إلى جحيم يومي لا منفذ منه سوى التحدي المطلق بين خيارين لا ثالث لهما: البقاء في الأرض أو الموت فوقها.
تفاصيل الحصار اليومي التي رواها أبو محمد للجزيرة نت تكشف عن معاناة إنسانية مريرة، حيث لم يعد بإمكانه قضاء أبسط احتياجاته كالذهاب للسوق أو العلاج إلا مغامراً بحياته وحياة عائلته. واضطر الرجل لاصطحاب زوجته وأطفاله معه في كل مرة يغادر فيها منزله، خوفاً من اعتداءات المستوطنين المتربصين الذين يتحينون أي فرصة للاستيلاء على أرضه.
وللمتابعة الحصرية لتقارير الميدان من الضفة الغربية، يمكنكم زيارة موقع الجزيرة نت، كما نذكركم بتغطياتنا المستمرة لقضية فلسطين المحتلة على موقعنا e3lamia.com.
اعتداءات المستوطنين والجيش تتصاعد يوماً بعد يوم، حيث يصف أبو محمد كيف يقتحم الجنود والمستوطنون المنطقة ويحضرون أغنامهم عمداً للتضييق عليهم وتدنيس مقدساتهم. ويروي بحسرة: “حطموا زجاج مركبتي، ويشتمون النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويدّعون أن الأرض لهم وأننا نحن المستعمِرون”، مردداً مقولتهم العنصرية: “أينما تطأ أقدام ماشيتنا تكون أرضنا”. هذه الضغوط المتواصلة أجبرته على ترك عمله في بيع الخضار وملازمة منزله، وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى وبعد اصطحاب زوجته لحمايتها من الاعتداء المباشر.
الأهمية الاستراتيجية للأرض التي يتمسك بها أبو محمد تتجاوز مساحتها البسيطة المقدرة بـ1.5 دونم، حيث يشكل وجوده درعاً بشرياً يمنع مصادرة أكثر من 4000 دونم تعود لأهالي بلدة حلحول المجاورة. ويكشف الرجل عن تضحيته الكبيرة قائلاً: “حتى أنني قمت بحراثة أرض ليست لي لأمنع المستوطنين من السيطرة عليها”، مؤكداً أن صموده هو خط الدفاع الأول لمنع توسع الاستيطان الذي يلتهم الأخضر واليابس في جنوب الضفة الغربية.
تحديات التنقل والعزلة فرضتها البوابات العسكرية المغلقة، مما حول رحلة كانت تستغرق دقائق إلى مغامرة شاقة لمسافة تزيد عن 10 كيلومترات عبر طرق وعرة وجبال، يضطر فيها للمشي أحياناً لأن المركبات ممنوعة من العبور. ويعاني السكان من انقطاع الخدمات الأساسية، حيث يقول أبو محمد: “أي عطل يصيب الكهرباء أو الماء نعاني كثيراً لإصلاحه، فالاحتلال يمنع وصول الفرق الفنية إلينا”، في ظل غياب الدعم الرسمي حيث ردّت البلدية والمحافظة بأن “لا توجد إمكانيات” لوضع سياج واقي حول منزله المحاصر.
الإصرار على الثبات كان الرد الحاسم لأبي محمد على سؤال الرحيل، حيث أكد بعزم فولاذي: “هذا أصعب سؤال سُئلته في حياتي.. لن أرحل، فهنا ولدت وعشت وأحب المكان جداً”. ويشير إلى أن منزله الذي يفوق عمره عمر دولة الاحتلال نفسه هو ملاذه الأول والأخير، مكرراً قسمه الشهير: “إما نموت هنا أو يخرجونا بالقوة”، رافضاً أي مساومة على الحق في الأرض والهوية رغم كل أشكال التضييق.
أرقام الاستيطان المتوحش تؤكد حجم الكارثة، حيث تشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى سيطرة نحو 800 ألف مستوطن على أكثر من 42% من مساحة الضفة الغربية، عبر 192 مستوطنة و352 بؤرة استيطانية حتى نهاية 2025. وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، استولى الاحتلال خلال عام 2025 فقط على أكثر من 5571 دونماً، وأصدر عشرات أوامر وضع اليد والاستملاك، في حين بلغ عدد الحواجز والبوابات العسكرية 916 حاجزاً، منها 243 بوابة نُصبت بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، في محاولة لخنق الحياة الفلسطينية وتهجير أصحاب الأرض.
المصدر: تقرير ميداني خاص من قناة الجزيرة من بلدة حلحول جنوب الخليل.







https://shorturl.fm/jZSsL
https://shorturl.fm/gGpvX
https://shorturl.fm/vWUck
https://shorturl.fm/xD8bu