الانتخابات المغربية 2026: أقلية منتخبة تصنع الضجيج… وأغلبية خارج الصندوق قد تصنع التغيير

قراءة في مفارقة الأغلبية البرلمانية والصمت الانتخابي وأزمة الثقة

بقلم: نزهة الإدريسي

المملكة المغربية


لم تكن الانتخابات المغربية لسنة 2026 مجرد سباق بين الأحزاب على المقاعد، بل كشفت عن سؤال أعمق يتعلق بعلاقة المواطن بالسياسة وبالمؤسسات المنتخبة.

وللمزيد من التحليلات السياسية، زوروا موقعنا e3lamia.com.

رسم توضيحي يظهر صندوق اقتراع فارغ نسبياً مقارنة بحشود شبابية تناقش السياسة خارج المؤسسات، يرمز لأزمة المشاركة في انتخابات 2026.

فالنتائج أفرزت أغلبية برلمانية، لكن نسبة المشاركة المحدودة (38%) تضع أمامنا مفارقة واضحة:
أغلبية داخل البرلمان، وأغلبية صامتة خارج الصناديق.

ولا يمكن اختزال عدم المشاركة في موقف سياسي واحد؛ فقد تكون وراءه أسباب متعددة، لكن انخفاض الإقبال يضع أزمة الثقة في الأحزاب والمؤسسات ضمن أبرز الأسئلة التي ستواجه المرحلة المقبلة.

فالأحزاب الأكثر تنظيماً وقدرة على التعبئة تستطيع الحفاظ على حضورها الانتخابي حتى عندما تتراجع المشاركة العامة. ومن ثم فإن قوة الحزب في عدد المقاعد لا تعني بالضرورة اتساع قاعدته الاجتماعية بالقدر نفسه.

الشباب… ومغادرة القوالب التقليدية

يبقى الشباب أحد المفاتيح الأساسية لفهم هذا التحول.
فجزء من الجيل الجديد لم يعد يرى في الانتماء الحزبي الوسيلة الوحيدة للمشاركة السياسية، وانتقل جزء كبير من النقاش إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يستطيع الشاب التعبير عن رأيه والدفاع عن قضية أو مطلب دون الانخراط في تنظيم سياسي.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الشباب ابتعد عن الشأن العام، بل ربما يعني أن أدوات المشاركة نفسها تغيرت.
وهنا تواجه الأحزاب سؤالاً جوهرياً: هل تستطيع أن تنتقل من مخاطبة المواطن باعتباره ناخباً في موسم الانتخابات إلى التعامل معه باعتباره شريكاً دائماً في الحياة السياسية؟

التغيير الداخلي… الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

ستكون الحكومة المقبلة أمام ملفات أكثر إلحاحاً من مجرد تشكيل الأغلبية: التشغيل، الصحة، التعليم، القدرة الشرائية، العدالة المجالية، ومحاربة مظاهر الريع والفساد.

فالانتخابات قد تمنح الحكومة شرعية دستورية لتدبير المرحلة، لكن استعادة الثقة تحتاج إلى ما هو أبعد من عدد المقاعد: تحتاج إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وإذا استطاعت الحكومة أن تستعيد جزءاً من الذين ابتعدوا عن صناديق الاقتراع، فقد تتحول أزمة المشاركة إلى فرصة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات.

أما الخارج… فالمعادلة مختلفة

السياسة الخارجية لا تحددها الخريطة الحزبية وحدها، بل تتداخل فيها التحالفات والمصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية والتحولات الدولية.
ولهذا فإن نتائج الانتخابات لا تعني بالضرورة تغيير الخيارات الكبرى للدولة في السياسة الخارجية.

وتبرز هنا قضية العلاقات المغربية الإسرائيلية باعتبارها من أكثر الملفات حساسية. فرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات، إذا استمر وفق المسار المعلن، لا يعني انتهاء النقاش المجتمعي حول العلاقة.

فهناك فارق بين القرار الرسمي للدولة وبين الموقف المجتمعي منه، خصوصاً في ظل الحرب في الشرق الأوسط وما تثيره من مواقف شعبية ومدنية.
وقد تستمر العلاقات الرسمية، بينما يستمر في المقابل النقاش حول حدودها وآفاقها، وهو ما يجعل الملف اختباراً لقدرة المؤسسات على إدارة الاختلاف دون تحويله إلى انقسام داخلي.

مدونة الأسرة والملفات الاجتماعية الحساسة

ولا تقل الإصلاحات المرتبطة بمدونة الأسرة حساسية عن ملفات السياسة الخارجية، لأنها تمس بنية المجتمع وتوازناته وقيمه.
ومن هنا فإن أي تعديل تشريعي في هذا المجال يحتاج إلى نقاش هادئ يوازن بين الإصلاح القانوني والمرجعيات الدستورية والدينية والواقع الاجتماعي.

ما الذي تعنيه انتخابات 2026 إذن؟

ربما لا تكمن الرسالة الأساسية لهذه الانتخابات في معرفة من تصدر النتائج فقط، وإنما في السؤال عما ستفعله المؤسسات أمام الأغلبية التي بقيت خارج صناديق الاقتراع.

فالبرلمان يستطيع أن ينتج أغلبية عددية، والحكومة تستطيع أن تمارس صلاحياتها، لكن الثقة السياسية لا تُقاس بعدد المقاعد وحده.
لقد حسمت صناديق الاقتراع توزيع المقاعد، لكنها لم تحسم سؤال الثقة.

ومن هنا قد يكون السؤال الأهم بعد انتخابات 2026 ليس: من فاز؟
بل: كيف ستستعيد السياسة ثقة المواطن، وكيف ستخاطب جيلاً بدأ يبحث عن أدوات جديدة للتعبير خارج القوالب الحزبية التقليدية؟

فمستقبل المشهد السياسي المغربي قد يكون مرتبطاً، بقدر كبير، بما سيحدث خارج الصناديق بقدر ما حدث داخلها.

فهل ستتمكن هذه الأغلبية خارج الصندوق من صنع الحدث وتحقق التغيير المنشود؟!

e3lamia

"مؤسس ومدير منصة إعلامية (e3lamia). صحفي وباحث متخصص في الشؤون الدولية والتحليلات السياسية. خبرة تمتد لـ 10 سنوات في المجال الإعلامي الرقمي."

Related Posts

احتجاجات جيل زد (Z) في فرنسا: هل تكشف أزمة التعليم التقليدي فجوة الاستجابة لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي؟

من أزمة الثقة والإنصاف إلى رهانات المعرفة والعمل ومستقبل الأجيال بقلم: الدكتورة دنيا تامري (Dr. Dounia Tamiri) باحثة أكاديمية بينية تعنى بتقاطعات الاقتصاد الإسلامي وعلم النفس التربوي والذكاء الاصطناعي، مهتمة…

بعد التصريح الحكومي، رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنيةمن أهداف البرنامج إلى إصلاح المدرسة من داخل القسم: أسئلة الحكامة والإنصاف واليقظة التربوية

لا إصلاح للتعلمات دون حكامة منصفة داخل المؤسسة بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ (RACHID MRITAKH) باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا الاستباقية إلى السيد محمد نبيل بنعبد الله، وزير التربية الوطنية والتكوين…

0 0 الأصوات
تقييم المادة

اترك رد

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

You Missed

احتجاجات جيل زد (Z) في فرنسا: هل تكشف أزمة التعليم التقليدي فجوة الاستجابة لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي؟

  • من e3lamia
  • أكتوبر 26, 2026
  • 16 views
احتجاجات جيل زد (Z) في فرنسا: هل تكشف أزمة التعليم التقليدي فجوة الاستجابة لمتطلبات عصر الذكاء الاصطناعي؟

انتخابات الكنيست 2026: هل يغيّر ارتفاع المشاركة العربية موازين القوىويُضعف فرص نتنياهو في تشكيل الحكومة؟

  • من e3lamia
  • أكتوبر 25, 2026
  • 15 views
انتخابات الكنيست 2026: هل يغيّر ارتفاع المشاركة العربية موازين القوىويُضعف فرص نتنياهو في تشكيل الحكومة؟

محاربة الفساد في البرنامج الحكومي المغربي 2026–2031:من الالتزام السياسي إلى بناء منظومة فعالة للنزاهة

  • من e3lamia
  • أكتوبر 21, 2026
  • 149 views
محاربة الفساد في البرنامج الحكومي المغربي 2026–2031:من الالتزام السياسي إلى بناء منظومة فعالة للنزاهة

بعد التصريح الحكومي، رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنيةمن أهداف البرنامج إلى إصلاح المدرسة من داخل القسم: أسئلة الحكامة والإنصاف واليقظة التربوية

  • من e3lamia
  • أكتوبر 20, 2026
  • 243 views
بعد التصريح الحكومي، رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنيةمن أهداف البرنامج إلى إصلاح المدرسة من داخل القسم: أسئلة الحكامة والإنصاف واليقظة التربوية

همسة إلى وزير التربية الوطنية الجديد بالمغرب:من إصلاح البرامج إلى إصلاح منظومة الإصلاح، ومن تدبير الفائض والخصاص إلى استعادة الاستقرار المهني

  • من e3lamia
  • أكتوبر 19, 2026
  • 216 views
همسة إلى وزير التربية الوطنية الجديد بالمغرب:من إصلاح البرامج إلى إصلاح منظومة الإصلاح، ومن تدبير الفائض والخصاص إلى استعادة الاستقرار المهني

زلزال الـ48 ساعة في الحكومة المغربية:القصة الكاملة لإعفاء مديحة خيير وثغرات منظومة التعيين

  • من e3lamia
  • أكتوبر 19, 2026
  • 274 views
زلزال الـ48 ساعة في الحكومة المغربية:القصة الكاملة لإعفاء مديحة خيير وثغرات منظومة التعيين
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x