قراءة جيوسياسية في تداخل القضايا الوطنية وقضايا الأمة
بقلم: نزهة الادريسي
عودة قضية سبتة ومليلية إلى الواجهة بهذه الحدة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، ولا عن الصراع الدائر في الشرق الأوسط وتداعياته على العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا وشمال إفريقيا.
وللمزيد من التحليلات الجيوسياسية، زوروا موقعنا e3lamia.com.
فالقضية، وإن كانت ذات جذور تاريخية مغربية، لا تتحرك اليوم في فراغ. فسبتة ومليلية ليستا مجرد مدينتين متنازع عليهما بين المغرب وإسبانيا، بل نقطتان استراتيجيتان داخل منظومة أمنية واقتصادية وسياسية أوروبية أوسع. ولذلك فإن أي تغيير في وضعيتهما لا يتعلق بمدريد وحدها، وإنما يمس حسابات الاتحاد الأوروبي والأمن المتوسطي والعلاقة مع المغرب.
ومن هنا تبدو محاولة توظيف الملف في الصراع السياسي الداخلي الإسباني أمراً مختلفاً عن مسألة السيادة نفسها. فقد تُستخدم القضية للضغط على حكومة سانشيز بسبب مواقفها الأكثر استقلالاً عن واشنطن في بعض ملفات الشرق الأوسط، وبسبب مواقفها من الحرب على غزة، لكن حتى لو تغيرت الحكومة الإسبانية، فمن الصعب تصور أن تتخلى الولايات المتحدة أو أوروبا بسهولة عن واقع استراتيجي عمره عقود. الحكومات تتغير، أما المصالح الجيوسياسية الكبرى فتبقى.
“لكن ما يثير التأمل أكثر هو أن قضية الثغرين حضرت بقوة في خطاب ديني رسمي بمناسبة المولد النبوي، في الوقت الذي يغيب فيه ـ أو لا يحضر بالقدر الذي يستحقه ـ المسجد الأقصى، مسرى الرسول وأولى القبلتين، عن مثل هذه المناسبات، بينما يعيش تحت الاحتلال وتتعرض القدس لمحاولات متواصلة لفرض واقع جديد عليها.”
وهنا لا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين سبتة ومليلية والقدس، ولا بوضع قضية في مواجهة أخرى. الدفاع عن التراب الوطني لا يتعارض إطلاقاً مع الدفاع عن القدس والأقصى، بل يمكن أن يصدر كلاهما عن مبدأ واحد: رفض الاحتلال والتمسك بالحق والأرض والهوية.
وإذا كانت الوطنية تعني الدفاع عن الأرض والكرامة والسيادة، فإن الوعي الديني والإنساني يقتضي ألا نفقد البوصلة تجاه أرض لها مكانتها في وجدان الأمة الإسلامية، وفي صميم السيرة النبوية نفسها.
السؤال الجوهري: هل نستطيع الجمع؟
لذلك فإن السؤال ليس: هل ندافع عن سبتة ومليلية أم عن القدس؟
بل: هل نستطيع أن ندافع عن أرضنا، وفي الوقت نفسه نحافظ على مبدئية موقفنا من كل احتلال؟
إن قوة المغرب لا تكمن فقط في تمسكه بوحدته الترابية، وإنما أيضاً في قدرته على الجمع بين الوطنية والبعد الحضاري والديني والأخلاقي. فالقضايا العادلة لا تتنافس، والمبادئ لا تتجزأ.
وقد يكون أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول بعض القضايا إلى أدوات لإعادة ترتيب الوعي الجمعي، بحيث تصبح قضية حاضرة بقوة، بينما تُدفع قضية أخرى إلى الهامش حتى تفقد مكانتها في الذاكرة والوجدان.
الخاتمة: البوصلة واحدة
الوطنية لا تحتاج إلى تغييب القدس، والتمسك بالثوابت الدينية لا ينتقص من الوحدة الوطنية. بل إن الدفاع عن الأرض، أياً كانت، يصبح أكثر قوة ونبلًا حين يستند إلى مبدأ واحد:
“لا شرعية لاغتصاب الأرض، ولا مستقبل للاحتلال، ولا ينبغي أن يسقط الحق من الذاكرة مهما تغيرت موازين القوة والسياسة.”







