قراءة توعوية في ثقافة المواطنة والمسؤولية الدستورية
بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ
باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا
مقدمة التبرئة
هذا المقال قراءة توعوية عامة ولا يستهدف أي برلماني أو حزب بعينه، ولا يتضمن اتهاماً بالاستفادة غير المشروعة. المعيار هو القانون وشروط الاستحقاق والشفافية. الغاية طرح سؤال مشروع: كيف ينبغي أن ننظر إلى الوظيفة البرلمانية وما يرتبط بها من حقوق في دولة المؤسسات؟ ومن يمثل المواطن حقاً؟
حين يتوجه المواطن إلى صناديق الاقتراع، فهو يمنح المرشح وكالة ديمقراطية لممارسة وظيفة دستورية تدور حول ثلاث مهام كبرى: التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية. هذه النقطة تستحق الاستحضار لأن صورة البرلماني في الوعي العام كثيراً ما تختلط بصورة المسؤول التنفيذي. فالبرلماني لا يستطيع بصفته هذه أن يعد بتوظيف مباشر أو مشروع إداري محدد كثمن للصوت. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي حول معنى التمثيل السياسي. وللمزيد من التحليلات السياسية، زوروا موقعنا e3lamia.com.
التعويض البرلماني: حق أم امتياز؟
من الطبيعي أن تترتب عن ممارسة مهمة عامة تعويضات. لكن ينبغي التمييز بين التعويض عن أداء وظيفة والامتياز المرتبط بمجرد الصفة. التعويض المشروع يفترض وجود وظيفة ومسؤولية وتكاليف وضوابط. أما الامتياز فيصبح مثار نقاش عندما ينفصل عن منطق الوظيفة أو يفتقر للشفافية.
السؤال الأهم: من يدفع؟ عندما تكون التعويضات مرتبطة بالمال العام، يصبح المواطن شريكاً في تمويلها، ومن حقه معرفة مصدر التمويل، شروط الاستفادة، duration الاستفادة، وقواعد الرقابة. هذه أسئلة ديمقراطية طبيعية وليست عدائية.
الولاية البرلمانية ليست عقداً شخصياً
العلاقة الأصلية هي: المواطن ثم الثقة والنائب والمسؤولية. وليست: المواطن ثم الصوت والنائب والامتياز. البرلماني الذي يفوز بمقعده لا يصبح فوق المواطن، بل أكثر ارتباطاً بمبدأ المساءلة. المشكلة الأعمق تتعلق بسؤال: ماذا ننتظر من البرلمان؟ إذا كان المواطن يرى برلمانياً فاعلاً في التشريع والرقابة، فإن النظرة للتعويض ستصبح مرتبطة بالأداء. لذلك يجب ألا نفصل الحقوق عن المسؤوليات.
نحو انتخابات واعية
مع اقتراب الاستحقاقات، يجب تغيير السؤال الموجه للمرشح:
بدلاً من: «ماذا ستفعل لحيي؟» اسأله: «ماذا ستفعل داخل البرلمان؟»
بدلاً من: «هل ستوفر لي وظيفة؟» اسأله: «كيف ستراقب الحكومة؟»
بدلاً من: «ماذا ستعطيني؟» اسأله: «عن ماذا ستدافع؟»
هكذا ننتقل من الزبونية الانتخابية إلى المواطنة السياسية الواعية.
البرلماني ليس وزيراً ولا رئيس جماعة
الخلط بين الاختصاصات يجعل المواطن يحاسب المسؤول الخطأ. البرلماني يمارس وظائف دستورية محددة (تشريع، مراقبة، تقييم). الحكومة تنفذ، والجماعات تدير المحلي. المرشح الذي يعد بحل كل المشاكل الإدارية يحتاج أولاً لشرح حدود اختصاصاته. الوعي بالاختصاصات جزء من الوعي الديمقراطي.
العدالة لا تعني مساواة آلية
اختلاف المسؤولية قد يبرر اختلاف النظام، لكن هذا الاختلاف يجب أن يستند إلى مبرر قانوني، غاية مشروعة، تناسب، وشفافية. المعيار الحقيقي: هل يوجد ارتباط معقول بين الحق الممنوح وطبيعة المسؤولية العامة؟ السياسة ليست قانوناً فقط، بل أيضاً أخلاق مسؤولية.
لا للتشهير… ولا للتقديس
هناك خطآن متعاكسان: تحويل النقد إلى تشهير (كل برلماني فاسد)، أو تحويل المنتخب إلى شخصية فوق النقد. الديمقراطية تقوم على المساءلة. الرقابة تبدأ قبل الانتخابات بقراءة البرنامج وسؤال المرشح عن اختصاصاته، وتستمر بعد الانتخابات بمتابعة الأداء والمحاسبة.
أجندة المواطن البرلمانية: 10 ملفات ذات أولوية
إذا انتقلنا من السؤال النظري إلى العملي، فإن جرد مشاكل المواطن يقود إلى عشرة أوراش كبرى تشكل أجندة برلمانية عاجلة. البرلمان ليس مكتب خدمات فردية، بل مؤسسة للتشريع والرقابة والتقييم.
- إصلاح علاقة المواطن بالإدارة: الانتقال من الإدارة الآمرة إلى الخادمة. تقييم فعالية ميثاق المرافق العمومية (القانون 54.19) ومعالجة التأخر، عدم الجواب، وتعقيد المساطر.
- مكافحة التعسف الإداري: حماية المواطن والموظف من القرار غير المعلل. تقييم منظومة الحماية من القرارات التعسفية (تأديبية، تنقيل، تعيين) وضمان مساطر واضحة.
- إصلاح منظومة الوظيفة العمومية: ربط السلطة الإدارية بالمسؤولية. وضوح الاختصاصات، حماية الموظف الذي ينفذ القانون أو يبلغ عن اختلالات، ومحاربة المحاباة.
- العدالة في الولوج للخدمات: الانتقال من “هل توجد الخدمة؟” إلى “هل يستطيع المواطن الوصول إليها فعلياً؟” (صحة، تعليم، نقل) ومعالجة التفاوت الترابي.
- التعليم: تقييم حقيقي للسياسات: تفعيل الوظيفة التقييمية (الفصل 70 من الدستور). ماذا تحقق من الإصلاحات؟ ما أثر السياسات على الجودة والاكتظاظ وتكافؤ الفرص؟
- الصحة: قياس الأثر على المواطن: الانتقال من “كم أنفقنا؟” إلى مؤشرات النتائج: انتظار المواعيد، توفر الأدوية، الموارد البشرية، وجودة الاستقبال.
- الصفقات العمومية والمال العام: من مراقبة الإنفاق إلى قياس القيمة. مراقبة المنافسة، تضارب المصالح، جودة الإنجاز، والمشاريع المتعثرة.
- محاربة الفساد وتضارب المصالح: الانتقال من الخطاب إلى الوقاية المؤسسية. تقييم التصريح بالممتلكات، حماية المبلغين، وفعالية آليات الرقابة.
- العدالة الإدارية وتنفيذ الأحكام: ورش تقييمي حول آجال تنفيذ الأحكام ضد الإدارة وأسباب التأخير. الاحتكام للقضاء يجب أن يؤدي لنتيجة عملية.
- الثقة السياسية والانتخابات: إعادة تعريف العلاقة بين الناخب والمنتخب. شفافية الحملات، وضوح البرامج، واحترام اختصاصات البرلمان لمحاربة الوعود الكاذبة.
كيف يعمل البرلماني على هذه الملفات؟
لا نطلب منه حل كل المشاكل مباشرة، بل نسأله:
– في التشريع: ما القوانين التي سيقترح تطويرها؟
– في الرقابة: ما الأسئلة التي سيطرحها؟
– في التقييم: ما السياسات التي سيطالب بتقييم نتائجها؟
– في الميزانية: كيف سيراقب توجيه المال العام؟
هذا هو جوهر المسألة: استخدام الأدوات الدستورية بفعالية.
توصيات عملية
- نشر المعلومات المتعلقة بالتعويضات البرلمانية بشكل واضح ومبسط.
- توضيح شروط الاستفادة من الحقوق المرتبطة بالولاية وبعد انتهائها.
- تعزيز الشفافية بشأن كلفة المؤسسة البرلمانية على المال العام.
- ربط النقاش حول الحقوق بالنقاش حول المسؤوليات والأداء.
- تعزيز وعي الناخب باختصاصات البرلمان لتجنب سوق الوهم الانتخابي.
- تشجيع الإعلام والمجتمع المدني على تقييم الأداء البرلماني الموضوعي.
- رفض التعميم والتشهير، وعدم تحويل الاحترام المؤسسي إلى حصانة من النقد.
- جعل التقييم قائماً على الإنجاز داخل المؤسسة، لا على الوعود خارجها.
الخاتمة: من سؤال «ماذا سأحصل؟» إلى سؤال «ماذا ستفعل؟»
القضية الأعمق ليست في التعويض، بل في ما يحصل عليه المواطن مقابل ذلك من جودة تمثيل وتشريع ورقابة. البرلماني يُقاس بما يقدمه من عمل مؤسساتي. والديمقراطية تُقاس بقدرة المواطن على اختيار ممثله ومتابعة أدائه ومساءلته.
السؤال الأهم الذي يجب حمله للحملة الانتخابية:
«لا تسأل المرشح فقط: ماذا ستعطيني؟ اسأله: ماذا ستفعل داخل البرلمان؟ وكيف ستراقب؟ وكيف ستقبل أن تحاسبك؟»حين يصبح الصوت اختياراً واعياً، والولاية مسؤولية، والحقوق موضوع شفافية، نكون قد بدأنا في بناء ثقافة سياسية جديدة. الديمقراطية تحتاج لمواطنين يعرفون لماذا ينتخبون.







