الانتخابات المغربية 2026: «البام» من شرعية الصندوق إلى امتحان الثقة

قراءة في تحديات تحويل الشرعية الانتخابية إلى ثقة مجتمعية وإنجاز ملموس

بقلم: نزهة الإدريسي

المملكة المغربية


لم تعد نتائج الانتخابات المغربية لسنة 2026 مجرد أرقام تحدد ترتيب الأحزاب داخل البرلمان. فالنتيجة الأبرز ليست فقط صعود حزب الأصالة والمعاصرة «البام» إلى المرتبة الأولى، وإنما ما تكشفه هذه النتيجة من أسئلة تتجاوز الصندوق إلى ما بعده: كيف تتحول الشرعية الانتخابية إلى ثقة سياسية واجتماعية؟

بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 38.02%، بينما تصدر «البام» النتائج بـ97 مقعداً من أصل 395. وهي نتيجة تمنحه موقع الصدارة ونقطة الانطلاق في تشكيل الحكومة وفق المقتضيات الدستورية، لكنها لا تمنحه أغلبية برلمانية منفردة، ما يجعل التحالفات ضرورة سياسية لتكوين الأغلبية.

مرحلة ما بعد الفوز: من حزب صاعد إلى حزب يقود الحكومة

منذ تأسيسه سنة 2008، استطاع «البام» أن ينتقل بسرعة داخل المشهد السياسي المغربي، من حزب حديث التأسيس إلى قوة انتخابية وحزبية وازنة، ثم إلى المشاركة في الحكومة السابقة، وصولاً إلى تصدر انتخابات 2026.

وهذا المسار يمنحه خبرة في العمل المؤسساتي والحكومي، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام مسؤولية أكبر؛ إذ لم يعد المطلوب منه أن يثبت قدرته على الوصول إلى السلطة، وإنما أن يثبت قدرته على: تدبيرها وإنتاج نتائج ملموسة.
فالصعود إلى السلطة شيء، والمحافظة على ثقة المجتمع أثناء ممارستها شيء آخر.

ماذا وعد «البام»؟

قدم الحزب برنامجاً انتخابياً واسعاً يقوم على خمسة مواثيق و20 التزاماً، وبكلفة معلنة تصل إلى 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، مع هدف خلق مليون منصب شغل صافٍ.

ويضع البرنامج ضمن أولوياته القدرة الشرائية، وإدماج الشباب، وتحسين الصحة والتعليم والسكن، إلى جانب الأمن المائي والغذائي والطاقي، والنمو والاستدامة.
هذه الأهداف تضع الحكومة المقبلة أمام اختبار مزدوج: اختبار القدرة على التنفيذ، واختبار القدرة على إقناع المواطن بأن الوعود قابلة للتحول إلى واقع.
فالمواطن لا يتعامل مع البرنامج الانتخابي باعتباره وثيقة سياسية فقط؛ بل سيقيسه بما يراه في حياته اليومية.

هل يكفي الصندوق؟

الاحتكام إلى الصندوق هو أساس الشرعية الانتخابية، ولا يمكن التقليل من أهميته.
لكن الصندوق لا يجيب وحده عن سؤال الثقة.

فنسبة المشاركة البالغة 38.02% لا تعني أن النسبة المتبقية رافضة لـ«البام»، ولا يجوز تفسير عدم المشاركة باعتبارها موقفاً انتخابياً محدداً. لكنها في المقابل تضع أمام الأحزاب سؤالاً مشروعاً حول أسباب ابتعاد نسبة واسعة من المواطنين عن المشاركة.

وهنا تظهر الحلقة التي قد تكون الأهم في المرحلة المقبلة: “الثقة”.
فالثقة السياسية لا تبدأ وتنتهي يوم الاقتراع. إنها علاقة تتشكل بين المواطن والمؤسسات عبر الزمن، وتزداد أو تتراجع بحسب ما يراه الناس من نتائج.

ثقة البرلمان أم ثقة المجتمع؟

يمكن للحكومة أن تحصل على الثقة البرلمانية عبر تشكيل أغلبية منسجمة، وهذا جزء طبيعي من العمل السياسي.
لكن ثمة ثقة أخرى أكثر صعوبة: ثقة المجتمع.

هذه الثقة لا تمنحها التحالفات، ولا تنتجها الخطب الانتخابية، وإنما تتشكل من خلال الإنجاز: وظيفة لشاب، مدرسة أفضل، مستشفى أكثر قدرة على الاستجابة، حماية للقدرة الشرائية، وعدالة أكبر في توزيع فرص التنمية بين المجالات والجهات.

ومن هنا سيكون السؤال الحقيقي أمام «البام» وحلفائه:
هل يستطيعون الانتقال من إدارة الأغلبية إلى إدارة الثقة؟

الشباب… الحلقة الأكثر حساسية

تزداد أهمية هذا السؤال أمام جيل جديد أصبحت علاقته بالسياسة مختلفة عن الأجيال السابقة.
فالشباب لم يعد ينتظر دائماً الحزب أو النقابة أو التنظيم السياسي لكي يعبر عن موقفه. فالفضاء الرقمي أصبح مجالاً للنقاش والتعبئة والاحتجاج وصناعة الرأي العام.

وهذا التحول لا يعني بالضرورة القطيعة مع الأحزاب، لكنه يعني أن الحزب الذي يصل إلى الحكومة لم يعد يتعامل مع ناخب يختفي بعد وضع ورقته في الصندوق؛ بل مع مواطن يستطيع أن يراقب، وينتقد، ويقارن، وينشر تجربته، ويحوّل قضية محلية إلى نقاش وطني في وقت قصير.
لذلك فإن القدرة على التواصل والإنصات ستكون جزءاً من القدرة على الحكم، لا مجرد وظيفة إعلامية.

وماذا عن الشارع؟

لا يمكن الجزم منذ الآن بأن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً شعبياً، كما لا يمكن اختزال الاحتجاجات في موقف واحد أو جهة واحدة.
لكن المؤكد أن الحكومة الجديدة تدخل مرحلة يوجد فيها وعي اجتماعي أكبر بالمطالبة والمحاسبة. سواء عبر الشارع أو عبر المنصات الرقمية.

وكلما اتسعت الفجوة بين الوعود والنتائج، أصبح سؤال الثقة أكثر حضوراً. وكلما ظهرت نتائج ملموسة، أمكن تضييق هذه الفجوة.
وهنا لا يكون الشارع بديلاً عن الصندوق، كما لا يكون الصندوق بديلاً عن الشارع؛ بل كلاهما جزء من علاقة سياسية أوسع بين المجتمع والمؤسسات.

الاختبار يبدأ الآن

لذلك، فإن السؤال بعد انتخابات 2026 ليس فقط: كيف صعد «البام»؟
بل: كيف سيحافظ على موقعه؟

فالانتخابات أعطته شرعية البداية، والتحالفات قد تمنحه الأغلبية البرلمانية، والبرنامج يضع أمامه مجموعة كبيرة من الالتزامات.
لكن يبقى العنصر الأكثر حساسية خارج هذه المعادلات كلها:
“الثقة”

الثقة التي لا تُمنح مرة واحدة، ولا تُحسم بصندوق الاقتراع وحده.
قد يمنح الصندوق الحزب فرصة قيادة الحكومة، وقد تمنحه الأغلبية البرلمانية القدرة على تمرير سياساته، لكن المجتمع سيظل يحتفظ بأداته الخاصة في التقييم: “الواقع”

وفي نهاية المطاف، ربما تكون المعادلة التي تختصر المرحلة المقبلة هي:
“الصندوق يمنح شرعية البداية، والبرلمان يمنح الثقة الدستورية، أما الإنجاز فيمنح الثقة الشعبية.”
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي لـ«البام».

e3lamia

"مؤسس ومدير منصة إعلامية (e3lamia). صحفي وباحث متخصص في الشؤون الدولية والتحليلات السياسية. خبرة تمتد لـ 10 سنوات في المجال الإعلامي الرقمي."

Related Posts

محاربة الفساد في البرنامج الحكومي المغربي 2026–2031:من الالتزام السياسي إلى بناء منظومة فعالة للنزاهة

قراءة توعوية مقارنة في الحكامة والشفافية والمحاسبة على ضوء تجارب دولية رائدة بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ (RACHID MRITAKH) باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا الاستباقية مقدمة تبرئة وتوضيح يندرج هذا المقال…

بعد التصريح الحكومي، رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنيةمن أهداف البرنامج إلى إصلاح المدرسة من داخل القسم: أسئلة الحكامة والإنصاف واليقظة التربوية

لا إصلاح للتعلمات دون حكامة منصفة داخل المؤسسة بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ (RACHID MRITAKH) باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا الاستباقية إلى السيد محمد نبيل بنعبد الله، وزير التربية الوطنية والتكوين…

0 0 votes
تقييم المادة

Bir Cevap Yazın

0 تعليقات
Eskiler
En Yeniler Beğenilenler

You Missed

محاربة الفساد في البرنامج الحكومي المغربي 2026–2031:من الالتزام السياسي إلى بناء منظومة فعالة للنزاهة

  • Yazar e3lamia
  • Ekim 21, 2026
  • 138 views
محاربة الفساد في البرنامج الحكومي المغربي 2026–2031:من الالتزام السياسي إلى بناء منظومة فعالة للنزاهة

بعد التصريح الحكومي، رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنيةمن أهداف البرنامج إلى إصلاح المدرسة من داخل القسم: أسئلة الحكامة والإنصاف واليقظة التربوية

  • Yazar e3lamia
  • Ekim 20, 2026
  • 230 views
بعد التصريح الحكومي، رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنيةمن أهداف البرنامج إلى إصلاح المدرسة من داخل القسم: أسئلة الحكامة والإنصاف واليقظة التربوية

همسة إلى وزير التربية الوطنية الجديد بالمغرب:من إصلاح البرامج إلى إصلاح منظومة الإصلاح، ومن تدبير الفائض والخصاص إلى استعادة الاستقرار المهني

  • Yazar e3lamia
  • Ekim 19, 2026
  • 204 views
همسة إلى وزير التربية الوطنية الجديد بالمغرب:من إصلاح البرامج إلى إصلاح منظومة الإصلاح، ومن تدبير الفائض والخصاص إلى استعادة الاستقرار المهني

زلزال الـ48 ساعة في الحكومة المغربية:القصة الكاملة لإعفاء مديحة خيير وثغرات منظومة التعيين

  • Yazar e3lamia
  • Ekim 19, 2026
  • 268 views
زلزال الـ48 ساعة في الحكومة المغربية:القصة الكاملة لإعفاء مديحة خيير وثغرات منظومة التعيين

🔴 عاجل: فوضى عارمة تجتاح أوروبا.. اشتباكات عنيفة في فرنسا وإيطاليا وسط أنباء عن محاولات اقتحام القصر الرئاسي

  • Yazar e3lamia
  • Ekim 18, 2026
  • 87 views
🔴 عاجل: فوضى عارمة تجتاح أوروبا.. اشتباكات عنيفة في فرنسا وإيطاليا وسط أنباء عن محاولات اقتحام القصر الرئاسي

الاقتصاد السلوكي وصناعة النزعة الاستهلاكية في عصر «الترند»:كيف يوجّه الإعلام الرقمي اختياراتنا؟

  • Yazar e3lamia
  • Ekim 17, 2026
  • 132 views
الاقتصاد السلوكي وصناعة النزعة الاستهلاكية في عصر «الترند»:كيف يوجّه الإعلام الرقمي اختياراتنا؟
0
Would love your thoughts, please comment.x