خطوة دبلوماسية استراتيجية وصفها الخبراء بـ “ضربة المعلم”، تمثلت في عودة دينامية وقوية للمملكة المغربية إلى القارة السمراء عبر ثلاث محطات محورية في أسبوع واحد شملت مصر وكينيا ومالي، وهي دول تشكل مفاتيح حقيقية للتوازن الجيوسياسي الأفريقي. وجاءت هذه التحركات لتؤكد نجاح النهج الملكي في كسب رهانات القضية الوطنية الأولى وتعزيز الشراكات الاقتصادية التي تجعل من المغرب قطباً لا غنى عنه في معادلة التنمية الإقليمية.
الدور المصري المحوري يأتي في مقدمة هذه المكاسب، نظراً للثقل التاريخي والسياسي لمصر عربياً وأفريقياً، حيث إن كسب تأييد القاهرة لقضية الوحدة الترابية للمغرب ينعكس إيجاباً وبشكل مباشر على مواقف العديد من الدول داخل الاتحاد الأفريقي. بالإضافة إلى البعد السياسي، فإن تقوية أواصر الشراكة الاقتصادية بين الرباط والقاهرة تخلق قطبين متكاملين يقودان نمو شمال القارة، مما يعزز من موقع البلدين كقوة إقليمية فاعلة في مواجهة التحديات المشتركة.
وللمزيد من تفاصيل العلاقات الثنائية، يمكنكم زيارة الموقع الرسمي لوزارة الخارجية المصرية عبر الرابط mfa.gov.eg، كما نذكركم بتحليلاتنا للجيوستراتيجيا المغربية على موقعنا e3lamia.com.
كينيا كجسر نحو الشرق تمثل القوة الإقليمية النافذة في أفريقيا الشرقية الأنجلوسكسونية، وانخراط نيروبي في دينامية الحكم الذاتي المقترحة للمناطق الجنوبية للمملكة سيشكل حتماً نموذجاً يُحتذى به، مما قد يجر دولاً أخرى من المنطقة لنفس المنطق البراغماتي الذي تتبناه كينيا. هذا الانفتاح يعكس نجاح الدبلوماسية المغربية في تقديم نموذج تنموي وسياسي جذاب يتجاوز الانقسامات الإيديولوجية القديمة ويركز على المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي.
مالي وقطب الساحل تحتل مكانة خاصة في قلب “مشروع المغرب الأطلسي” الذي يعلق عليه الملك محمد السادس آمالاً كبيرة لاستقطاب دول الساحل بأكملها ضمن مشروع اندماجي ضخم. وتعتبر باماكو بوابة المغرب نحو عمق القارة، حيث يتيح التعاون الأمني والاقتصادي مع مالي فرصاً هائلة لربط غرب أفريقيا بشمالها عبر البنية التحتية المغربية، مما يعزز من دور المملكة كشريك استراتيجي موثوق به في منطقة تعاني من عدم الاستقرار.
المقاربة المغربية الناجحة التي اعتمدتها الدبلوماسية الملكية مع هذه الدول الثلاث هي نفسها المقاربة التي اشتغلت عليها بنجاح بين سنتي 2000 و2020، كما وثقها الكاتب في كتابه “محمد السادس ملك أفريقي: 20 سنة من الدبلوماسية المغربية في أفريقيا”. وتستند هذه المقاربة على فلسفة “رابح-رابح”، حيث يشغل الشق الاقتصادي والتجاري محوراً أساسياً في العلاقات، ولا يأتي الفرع السياسي إلا كنتيجة طبيعية ومحصلة نهائية لهذا التقارب التنموي المثمر، مما يضمن استدامة العلاقات وقوتها.
الخريطة المتبقية والتحديات تطرح سؤالاً جوهرياً حول ما تبقى للدعم الوهمي للبوليساريو في القارة، حيث تبرز الجزائر كحاضنة وحيدة للعنفات جعلت من عداء المغرب عقيدة سياسية ثابتة، بينما تلعب موريتانيا على الحبلين بتردد واضح. وفي غرب أفريقيا، تبقى نيجيريا العقدة الأكبر رغم خفضها لسقف تعاملها مع الانفصاليين، إلا أنها لم تقدم بعد على خطوة القطيعة النهائية رغم الإعداد المشترك لـ “مشروع القرن” المتمثل في أنبوب الغاز باستثمارات تصل إلى 25 مليار دولار.
شرق أفريقيا وجنوبها يشهدان تحولات مهمة، فأوغندا وتنزانيا وإثيوبيا (حاضرة مقر الاتحاد الأفريقي) تربطها بالمغرب علاقات اقتصادية وطيدة منذ الزيارة الملكية التاريخية عام 2016، مما يطرح تساؤلاً حول ضرورة تسريع تغيير موقف أديس أبابا سياسياً ليتوافق مع عمق الشراكة الاقتصادية. أما في الجنوب، فتظل جنوب أفريقيا دولة المحور المعادية بشراسة مدعومة بـ 7 دول تابعة لها اقتصادياً وثقافياً، مما يستدعي مضاعفة الجهد الدبلوماسي والاقتصادي لكسر هذا التحالف وتغيير البوصلة لصالح الاعتراف بالواقع الجديد.







