تحليل عميق لأزمة العنف قدمه الناقد المغربي إدريس القري في مقال خاص لصحيفة هسبريس، مؤكداً أن كرة القدم بدأت بوعد نبيل لتوحيد البشر، لكن هذا الوعد يتحطم غالباً أمام ضغط الانفعال الجماعي الذي يحول المدرجات إلى براكين عاطفية تكشف هشاشة الإنسان داخل الحشد. ويرى القري أن مشاهد الشغب ليست سلوكاً عابراً، بل هي كشف لـ “بنية نفسية واجتماعية مركبة” يذوب فيها الفرد لصالح “عقل جمعي قطيعي”، متفقاً في ذلك مع نظريات غوستاف لوبون حول سيادة الانفعال على التفكير في الجماهير.
وللاطلاع على مقالات رأي أخرى، يمكنكم زيارة قسم الآراء في موقعنا e3lamia.com.
الملعب كمرآة للتوترات المكبوتة يؤكد القري أن الملاعب تعكس اختلالات أعمق في منظومة التربية والأسرة والإعلام، حيث تتدفق إليها بطالة الشباب، الشعور بالإقصاء، وفقدان الأفق. فالمشجع لا يأتي فقط للمباراة، بل يحمل شحنة انفعالية وسياسية يبحث عن تفريغها، مما يجعل الشغب نتيجة حتمية لغياب قنوات التعبير السلمي في الأحياء والمدارس والنقابات. وفي غياب التأطير، يتحول الجسد إلى لغة وحيدة للتعبير عبر الصراخ والعنف، في مؤشر خطير على أزمة المعنى والانتماء لدى فئة عريضة من الشباب.
ديناميكيات الحشد ودور التعصب يشرح الكاتب كيف أن الخسارة الرياضية تُستقبل كإخفاق شخصي لأن الفريق يصبح امتداداً للذات، مما يحول الإحباط إلى عدوانية فورية تنتشر كالنار في الهشيم. ويضيف أن المباريات تتحول أحياناً لصراعات رمزية طبقية أو إثنية، مدعومة بتعصب أعمى. كما ينبه إلى أن إلقاء اللوم على الجمهور فقط هو “تبسيط مخلاً”، إذ إن تصرفات اللاعبين غير المنضبطة، قرارات الحكام المثيرة للجدل، والمعالجة الإعلامية الاستفزازية تشكل جميعها وقوداً إضافياً لهذا التوتر المتصاعد.
أزمة المعنى وسبل المعالجة يستحضر القري مقولة إدواردو غاليانو بأن كرة القدم تفقد جمالها حين تتحول لصناعة، مشيراً إلى هيمنة المال والرهانات التي حولت اللعبة لساحة صراع وانتقام. وختم بدعوة واضحة تتجاوز الحلول الأمنية الضيقة، مطالباً بمقاربة شاملة تجمع بين الوقاية، إعادة تأهيل الثقافة الرياضية، تعزيز التربية على الاختلاف، وتحسين شروط عيش الشباب. فالعنف ليس جريمة فحسب، بل عرض لخلل مجتمعي يستدعي إشراك الجميع لاستعادة الملعب كفضاء للفرح والمنافسة الشريفة بدلاً من الكراهية والتدمير.
المصدر: مقال رأي للكاتب والناقد إدريس القري منشور في جريدة هسبريس.






