الدكتورة ” دنيا تامري” تكتب :
منذ فجر التاريخ، خاض الإنسان معارك كبرى لحماية حريته واستقلال إرادته، غير أن العصر الرقمي الحديث يضعه اليوم أمام معركة أكثر صمتا وتعقيدا: معركة السيطرة على الانتباه، وتوجيه الوعي، وإعادة تشكيل السلوك الجمعي. ففي زمن الذكاء الاصطناعي، لم تعد الشاشات مجرد نوافذ نطل منها على العالم، بل تحولت إلى بيئات نفسية واجتماعية كاملة، تعيد تشكيل عاداتنا، وتفضيلاتنا، وأنماط إدراكنا للذات والآخر.
انظر حولك في مقهى ببيروت، أو قطار في الدار البيضاء، أو ممر مشاة في القاهرة، أو قاعة انتظار في مطار عربي؛ ستجد المشهد ذاته يتكرر: وجوه منحنية، أعين معلقة بالشاشات، وحضور جسدي في المكان يقابله غياب ذهني عن الواقع. في تلك اللحظات، نحن لا نستخدم التكنولوجيا فحسب، بل ندخل في علاقة نفسية معقدة معها؛ علاقة لا تقوم دائما على الاختيار الحر، بل على التوجيه الناعم، والتكرار، والاستثارة، والتخصيص الخوارزمي.
من هنا يبرز السؤال الإعلامي والسوسيولوجي الأعمق: هل نحن من يوجه الإعلام باختياراتنا الحرة، أم أن الإعلام الرقمي، عبر خوارزمياته ونماذج الذكاء الاصطناعي، هو من يعيد تشكيل اختياراتنا وسلوكنا اليومي؟
بين مطرقة القيم التي تسعى إلى ترشيد النفس وصيانة الكرامة الإنسانية، وسندان الخوارزميات التي تعمل وفق اقتصاد الانتباه وتعظيم زمن البقاء داخل المنصات، تعيش سيكولوجية الجماهير العربية تحديا مركبا: تحدي حماية الوعي، وحفظ الهوية، وتحويل القيم من خطاب أخلاقي عام إلى ممارسة رقمية يومية واعية.
وهم الاختيار وصناعة التوجيه الرقمي
تقدم شركات التكنولوجيا الكبرى الفضاء الرقمي بوصفه مساحة مفتوحة ومحايدة، تمنح المستخدم ما يريده وتعرض عليه ما يفضله. غير أن هذا التصور لم يعد كافيا لفهم العلاقة بين الإنسان والمنصة. فالخوارزميات لا تكتفي بعكس ميول المستخدم، بل تتعلم من سلوكه، وتتنبأ باحتمالات تفاعله، ثم تعيد ترتيب المحتوى أمامه بما يزيد من احتمالات بقائه وتفاعله.
بهذا المعنى، يصبح المستخدم داخل المنصة ليس مجرد متلق للمعلومة، بل موضوعا للتحليل السلوكي المستمر. فكل نقرة، وكل توقف، وكل إعادة مشاهدة، وكل تفاعل عابر، يتحول إلى مؤشر قابل للقياس، يدخل في نماذج التوصية والتخصيص. وتؤكد الأدبيات الحديثة في مجال الذكاء الاصطناعي وصناعة القرار الخوارزمي أن النظم الرقمية باتت قادرة على تحسين دقة التنبؤ بتفضيلات الأفراد وتوجيه الخيارات المقدمة لهم، بما يجعل القرار الإنساني أكثر تعرضا للتأثير غير المباشر. وتشير دراسات MIT Sloan School of Management إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل صار جزءا من هندسة القرار داخل المؤسسات والأسواق والفضاءات الرقمية.
هنا لا يكون الخطر في وجود التكنولوجيا ذاتها، بل في تحولها إلى بيئة نفسية تعرف عن الإنسان أكثر مما يعرف هو أحيانا عن نفسه: متى يضعف تركيزه، أي محتوى يستفزه، ما الذي يثير فضوله، وما الذي يدفعه إلى البقاء. ومن ثم، فإن السؤال لا يعود: ماذا نشاهد؟ بل: من يرتب لنا ما نشاهده؟ ولماذا يظهر لنا هذا المحتوى دون غيره؟
تشخيص الواقع الرقمي: بين اتساع الاستخدام واستعباد الانتباه
تكشف المؤشرات الرقمية الحديثة أن العالم دخل مرحلة لم تعد فيها التكنولوجيا نشاطا منفصلا عن الحياة اليومية، بل أصبحت جزءا من بنيتها اليومية. فقد أشار تقرير DataReportal العالمي لعام 2026 إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت عالميا تجاوز ستة مليارات مستخدم، وأن عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي النشطة بلغ نحو 5.66 مليار، بما يؤكد أن المنصات الرقمية أصبحت أحد أهم الفضاءات التي يتشكل فيها الرأي العام، وتبنى فيها العلاقات، وتنتج فيها الرموز والمعاني.
ليست المشكلة إذن في مجرد اتساع الاستخدام، بل في طبيعة التحول الذي يطرأ على السلوك عندما يصبح التصفح استجابة تلقائية للملل، أو القلق، أو الوحدة، أو الفراغ. عند هذه النقطة لا تبقى الشاشة أداة محايدة تماما، بل قد تتحول إلى آلية تعويض نفسي، تمنح راحة لحظية، لكنها تسحب من الإنسان شيئا فشيئا قدرته على التركيز العميق والتواصل الحقيقي.
وفي هذا السياق، تنبه منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن العلاقة بين التكنولوجيا والصحة النفسية علاقة معقدة، وليست أحادية الاتجاه. فقد كشفت بيانات المكتب الإقليمي لأوروبا عن ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع وجود نسبة من اليافعين المعرضين كذلك لخطر الاستخدام الإشكالي للألعاب الرقمية. وهذه المؤشرات لا تعني إدانة التكنولوجيا بذاتها، لكنها تدعو إلى فهمها بوصفها عاملا مؤثرا في الصحة النفسية، خاصة حين يغيب الوعي، وتضعف الرقابة الذاتية، ويصبح الاستخدام مفتوحا بلا حدود واضحة.
أما على المستوى السلوكي، فقد برزت في الأدبيات الحديثة مفاهيم مثل “التمرير الدوباميني” للإشارة إلى نمط من التصفح المتكرر القائم على البحث المستمر عن إثارة صغيرة أو مكافأة لحظية داخل المنصة. وتناقش دراسات الصحة العامة الحديثة هذه الظاهرة بوصفها نمطا يحتاج إلى اهتمام تربوي ونفسي، لما قد يرتبط به من إنهاك ذهني، وتشتت، وضعف في القدرة على الانفصال الواعي عن الشاشة، كما يشير بحث نشرته المكتبة الوطنية للطب (PMC).
سيكولوجية الحشد الرقمي في زمن الخوارزميات
في الأطروحات الكلاسيكية لعلم النفس الاجتماعي، كما يتضح في كتاب سيكولوجية الجماهير لعالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون (Gustave Le Bon)، كان الحشد يتشكل في الميادين والساحات، حيث يضعف الحس النقدي للفرد تحت ضغط العدوى النفسية والانفعال الجمعي. أما اليوم، فلم يعد الحشد بحاجة إلى ميدان واحد أو زمان واحد؛ فقد انتقل إلى الفضاء الرقمي، وصار يتشكل عبر الوسوم، والتعليقات، وغرف الصدى، والفقاعات الخوارزمية.
غرفة الصدى الرقمية لا تعزل الإنسان عن الرأي الآخر فحسب، بل تمنحه شعورا مضللا بأن العالم كله يفكر كما يفكر هو. ومع التكرار، يصبح الرأي الشخصي يقينا مطلقا، وتتحول المخالفة إلى تهديد، ويتراجع الحوار لصالح الانفعال. وقد بينت دراسات متعددة في مجال الإعلام الرقمي والشبكات الاجتماعية أن منصات التواصل يمكن أن تسهم في تشكيل بيئات معلوماتية متجانسة، تعزز الاستقطاب، وتضعف التعرض المتوازن للآراء المختلفة، وفقاً لدراسة نشرت في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS).
في هذا السياق، لا تكتفي الخوارزمية بعرض المحتوى الأكثر أهمية معرفية، بل تميل غالبا إلى رفع المحتوى الأكثر قدرة على توليد التفاعل: الصدمة، الغضب، الفضيحة، الاستفزاز، أو المتعة السريعة. ومن هنا تنشأ مفارقة خطيرة: ليس كل ما ينتشر هو الأكثر قيمة، بل قد يكون الأكثر قدرة على أسر الانتباه. وهنا تصبح الجماهير الرقمية أكثر قابلية للتوجيه، لا لأنها تفتقر إلى الوعي بالضرورة، بل لأن تصميم المنصات يستثمر في سرعة الانفعال وضعف التحقق.
العالم العربي وسؤال القيم في الممارسة الرقمية
تكتسب هذه الإشكالية في العالم العربي بعدا خاصا؛ فالمجتمعات العربية والإسلامية تمتلك رصيدا قيميا وثقافيا غنيا، يقوم على حفظ الوقت، وصيانة العقل، وضبط النفس، والحياء، والمسؤولية الفردية والجماعية. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب القيم، بل في الفجوة بين حضورها في الخطاب وضعف ترجمتها إلى سلوك رقمي يومي.
لقد أصبح “الترند” في كثير من الأحيان معيارا للقيمة، وصارت المشاهدة نوعا من الاعتراف الاجتماعي، وأصبح اللهاث وراء الظهور والانتشار مصدر ربح سريع أو وجاهة رمزية عابرة. وهنا تتعرض الهوية لضغط مزدوج: ضغط الخوارزمية التي تكافئ الإثارة، وضغط الحشد الذي يمنح الاعتبار لمن يساير موجته. وفي مثل هذا المناخ، لا يكفي أن نطالب المستخدم بالامتناع، بل يجب أن نبني لديه قدرة نقدية على الفهم والاختيار وإدارة الذات.
فالتربية الإعلامية اليوم لم تعد ترفا معرفيا، بل ضرورة اجتماعية ونفسية. لان الفرد الذي لا يفهم كيف تعمل الخوارزميات، وكيف يصنع المحتوى المثير رغباته، وكيف تتحول بياناته إلى مادة اقتصادية، سيظل أكثر قابلية للتوجيه. ومن هنا يصبح الوعي الرقمي جزءا من الوعي القيمي، لا نقيضا له.
القيم بوصفها بنية لإدارة الذات
حين نتحدث عن القيم في مواجهة الخوارزميات، فليس المقصود استدعاء خطاب وعظي منفصل عن الواقع، ولا إنتاج لغة تخويف من التكنولوجيا. المقصود هو استعادة المعنى التنموي للقيم بوصفها أدوات لبناء الإنسان القادر على إدارة ذاته، وترشيد انتباهه، وحماية حريته الداخلية.
في هذا السياق، تأتي الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ لتؤسس لمبدأ المسؤولية الذاتية وبناء البوصلة الداخلية، كما ورد في تفسير السعدي. فالآية لا تدعو إلى الانعزال عن المجتمع ولا إلى التخلي عن الإصلاح، بل توجه الإنسان إلى البدء من ذاته: إصلاحا، ووعيا، وتماسكا، وقدرة على عدم الذوبان في ضلال الحشود إذا امتلك الهداية والرشد.
ويعزز هذا المعنى الحديث النبوي الشريف: «والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله». والحديث هنا لا يقدم مجاهدة النفس في صورة وعظية منفصلة عن الحياة، بل يردها إلى مركزها التربوي العميق: تدريب الإنسان على الاختيار الواعي، ومقاومة الانجراف، وتوجيه الرغبات نحو ما ينفع. وبهذا المعنى تصبح مجاهدة النفس مفهوما تنمويا بامتياز، لا ينفر الإنسان من الحياة، بل يعينه على امتلاكها بدل أن تمتلكه.
وما بين التحليل العلمي والتوجيه الأخلاقي، تتشكل رؤية متكاملة تنظر إلى التكنولوجيا بوصفها أداة نافعة حين تدار بوعي، وخطرة حين تتحول إلى قوة خفية تعيد تشكيل الإنسان دون انتباهه.
فرملة الرغبات والرفاه الرقمي
تلتقي الأدبيات الحديثة حول الرفاه الرقمي مع التراث القيمي في نقطة أساسية: لا يمكن حماية الإنسان من التشتت فقط عبر النصائح التقنية أو أدوات تحديد الوقت، بل لا بد من بناء وعي داخلي قادر على قول “كفى”. فالإشكال ليس في الشاشة وحدها، بل في العلاقة التي نبنيها معها: هل نستخدمها بوعي أم نهرب إليها؟ هل نبحث فيها عما ينفعنا أم نستسلم لما يستثيرنا؟ هل ندير انتباهنا أم نتركه لمن يديره عنا؟
تشير دراسات حديثة حول التصميمات الرقمية إلى أن خصائص مثل التمرير اللانهائي والتوصيات المتتابعة قد تدفع المستخدم إلى قضاء وقت أطول مما يريد داخل المنصة، وأن إضافة ما يسمى “احتكاكات تصميمية” أو لحظات توقف داخل التجربة الرقمية يمكن أن تساعد على تقليل التصفح اللاواعي، وإن كانت قد تزعج بعض المستخدمين لأنها تقطع سلاسة الاعتياد السلوكي، حسب دراسة منشورة على منصة ArXiv.
وهنا يصبح مفهوم “فرملة الرغبات” مفهوما علميا وقيميا في الوقت نفسه. فهو لا يعني رفض المتعة، ولا شيطنة التكنولوجيا، بل يعني تدريب النفس على التأجيل، والاختيار، والتمييز بين الحاجة الحقيقية والرغبة المصطنعة. إن الإنسان لا يفقد حريته دفعة واحدة، بل يفقدها عبر استجابات صغيرة متكررة: نقرة بعد نقرة، مشاهدة بعد مشاهدة، واستسلام بعد استسلام.
نحو وعي رقمي أكثر رشدا
لعل الإجابة عن سؤال “هل الإعلام يوجهنا أم نحن من نوجهه?” لا تكون بنعم أو لا، بل بدرجة الوعي التي نمتلكها أمامه. فالإعلام الرقمي يوجهنا عندما ندخل إليه بلا بوصلة، ونستهلكه بلا مساءلة، ونمنحه بياناتنا وانتباهنا بلا مقاومة. لكنه يصبح قابلا للتوجيه حين نحوله من سيد خفي إلى أداة واعية في خدمة المعرفة، والتواصل، والبناء.
وتبدأ خارطة التحرر من ثلاث خطوات مترابطة:
- أولا، تحويل القيم إلى سلوك رقمي: فالحياء، وضبط النفس، واحترام الوقت، وعدم تتبع التفاهة، ليست قيما تقليدية فقدت معناها في العصر الحديث، بل هي شروط جديدة للنجاة النفسية داخل الفضاء الرقمي.
- ثانيا، بناء الوعي الخوارزمي: يجب أن يتعلم الفرد، خصوصا الأجيال الناشئة، أن ما يظهر أمامه ليس بريئا دائما، وأن المنصة لا تعرض الواقع كما هو، بل تعرض نسخة منتقاة منه وفق معايير تجارية وسلوكية.
- ثالثا، تبني الرفاه الرقمي الرشيد: ويعني ذلك تخصيص أوقات يومية بلا شاشة، وإعادة الاعتبار للقراءة العميقة، والحوار الواقعي، والصمت، والعبادة، والرياضة، والعلاقات الإنسانية المباشرة. فالإنسان لا يستعيد ذاته بمجرد أن يغلق الهاتف، بل حين يملأ الفراغ بما يعيد إليه توازنه.
إن الإعلام سيظل يوجهنا ما دمنا نغذي خوارزمياته باستسلامنا لشهوة المشاهدة والانفعال. ولن نصبح موجهين له إلا حين نجعل من العلم وسيلة للفهم، ومن القيم بوصلة للاختيار، ومن الوعي الذاتي قوة مقاومة أمام طوفان الخوارزميات.
في النهاية، ليست المعركة بين الإنسان والتكنولوجيا، بل بين إنسان غافل تجره الخوارزمية، وإنسان واع يستخدمها دون أن يفقد نفسه. وهنا يتجلى جوهر السؤال: لسنا مطالبين بأن نهرب من العصر الرقمي، بل أن ندخله بعقل ناقد، وقلب متوازن، ونفس قادرة على أن تقول أمام كل مثير عابر: ليس كل ما يجذب الانتباه ينفع الوعي، وليس كل ما ينتشر يستحق المتابعة.
الكاتب:
الدكتورة دنيا تامري
أكاديمية وباحثة في الإعلام والتواصل الحديث،والذكاء الاصطناعي مع اهتمام بتحليل السلوك الإنساني والقيم داخل الفضاء الرقمي.








