من أزمة الصافرة إلى أزمة الحكامة: لماذا يتألق الحكم المغربي خارجياً ويحتاج إلى بيئة مؤسساتية أفضل وطنياً؟

بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ
باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا | حكم دولي – كرة القدم العمالية


مقدمة للتبرئة وإخلاء المسؤولية

يندرج هذا المقال في إطار النقاش التوعوي والتحليل المؤسساتي حول واقع التحكيم المغربي، ولا يستهدف أشخاصاً بعينهم، ولا يشكل اتهاماً لأي مسؤول أو هيئة أو مؤسسة، كما لا يتبنى، كحقائق ثابتة، كل ما يرد في النقاش الإعلامي من اتهامات أو شبهات.

إن الحديث عن التدخل أو المحاباة أو ضعف الحكامة أو تضارب الاختصاصات لا يعني الجزم بوقوعها في واقعة محددة، وإنما يطرح أسئلة مؤسساتية مشروعة حول الآليات التي يفترض أن تمنع تضارب المصالح، وتحمي القرار الفني، وتضمن تكافؤ الفرص، وتعيد بناء الثقة في التحكيم الوطني.

وللمزيد من التحليلات الرياضية والمؤسساتية، يمكنكم زيارة موقعنا e3lamia.com.

فالغاية ليست البحث عن “كبش فداء”، ولا الدفاع عن طرف ضد آخر، وإنما طرح السؤال الذي يفترض أن يسبق كل إصلاح:
إذا كان الحكم المغربي قادراً على التألق قارياً ودولياً، فلماذا يتحول التحكيم الوطني في كل موسم إلى مصدر متجدد للجدل والاحتقان؟

إن هذه المفارقة تستحق أكثر من مجرد تبادل الاتهامات؛ إنها تحتاج إلى تفكيك مؤسساتي هادئ وشجاع.


أولاً: أزمة التحكيم … أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة صافرة

كلما ظهرت أخطاء تحكيمية مؤثرة، عاد النقاش حول الحكام والتعيينات وتقنية الفيديو. وتتسع دائرة الجدل بين الأندية والجماهير والإعلام والمسؤولين، وتتبادل الأطراف الاتهامات حول المسؤول عن الوضع. لكن التركيز على الخطأ التحكيمي وحده قد يقودنا إلى تشخيص ناقص.
فالتحكيم ليس حكماً فقط. إنه منظومة متكاملة تشمل: الاستقطاب، والتكوين، والتقييم، والتعيين، والتدرج، والاختبارات، والتحكيم بالفيديو، والتأطير النفسي والبدني، والحماية المهنية، وآليات المساءلة. وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل أخطأ الحكم؟ بل: كيف تعمل المنظومة عندما يخطئ الحكم؟ وهل توجد آلية مستقلة وموضوعية لتقييم الخطأ؟ وهل تطبق المعايير نفسها على الجميع؟ وهل يعرف الحكم سبب استبعاده أو معاقبته؟ وهل توجد مساطر واضحة للتظلم؟ وهل تستطيع الإدارة أن تشرح قراراتها للرأي العام الرياضي دون المساس بسرية المعطيات المهنية؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع الحكامة.

التحكيم ليس مجالاً مفتوحاً للتدخل

إذا كان الجدل حول التحكيم قد بلغ مستوى أصبح معه مطلب الثقة في المنظومة أكثر إلحاحاً، فإن أول مدخل للإصلاح ينبغي أن يكون العودة إلى القوانين التنظيمية نفسها. فالقوانين العامة لـ الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تنص، في ما يتعلق بتعيين الحكام، على أن التعيين من اختصاص أجهزة التحكيم المختصة، وأنه لا ينبغي لأي جهاز آخر، ولا لأي نادٍ أو عصبة، أن يتدخل في عملية تعيين الحكام. كما يربط اختيار الحكم بمستواه وخبرته وباجتيازه الاختبارات الطبية والبدنية والتقنية، وفق مسطرة محددة وتحت إشراف مهني مؤهل. وهذه القاعدة ليست تفصيلاً تقنياً؛ إنها جوهر من جواهر الحكامة.

فحين تكون التعيينات محكومة مسبقاً بمعايير موضوعية، يصبح من الممكن حماية الحكم من الضغط، وحماية جهاز التحكيم من الشبهة، وحماية الأندية نفسها من الاعتقاد بأن التعيين يخضع لاعتبارات خارج الإطار الفني. ومن هنا فإن الإصلاح لا ينبغي أن يكتفي بالقول: “ثقوا في التحكيم”، بل عليه أن يبني الآليات التي تجعل الثقة نتيجة طبيعية لشفافية المسطرة. فالاستقلال لا يُعلن بالشعارات؛ إنه يُبنى بقواعد تمنع التدخل وتحدد المسؤولية وتسمح بالمراقبة.


ثانياً: المفارقة المغربية الكبرى … حكم يتألق دولياً ويُنتقد وطنياً

ربما تكون هذه هي أكثر نقاط الأزمة إثارة للتساؤل. فقد شهدت السنوات الأخيرة تألق حكام مغاربة في مسابقات قارية ودولية، ونجاحهم في إدارة مباريات ذات مستوى عالٍ. ومن بين الأسماء التي برزت في هذا السياق حكام مغاربة شاركوا في كأس العالم والمنافسات القارية، إضافة إلى حضور متزايد للتحكيم النسائي المغربي في المحافل الدولية. وهنا تظهر المفارقة: الحكم نفسه، بالكفاءة نفسها، والخبرة نفسها، لا يمكن أن يصبح حكماً ممتازاً في الخارج وحكماً فاقداً للكفاءة بمجرد عودته إلى البطولة الوطنية. إذن، ينبغي أن نوسع زاوية النظر. ربما لا تكمن المشكلة كلها في الحكم. ربما توجد مشكلة في:
– البيئة المؤسساتية؛
– ضغط المنافسة المحلية؛
– طبيعة العلاقة بين الأندية والمنظومة؛
– طريقة التواصل؛
– آليات التعيين؛
– أساليب التقييم؛
– أو غياب الثقة بين مختلف الأطراف.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل نعاني من أزمة كفاءة تحكيمية، أم من أزمة بيئة تحكيمية؟


ثالثاً: التكنولوجيا لا تصنع الحكامة

شهد التحكيم المغربي تطوراً مهماً في استعمال التكنولوجيا.
تقنية VAR، والتدريب الإلكتروني، والمحاكيات، والكاميرات، والأنظمة الرقمية، ومشاريع الكشف شبه الآلي عن التسلل، كلها أدوات يمكن أن ترفع من دقة القرار. لكن التكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع أن تحل مشكلة مؤسساتية. فيمكن أن تكون لدينا أفضل كاميرات العالم، ومع ذلك تبقى الأسئلة مطروحة:
– من يختار الحكم؟
– من يقيمه؟
– من يراقب المقيم؟
– من يحدد العقوبة؟
– من يراجع التعيينات؟
– من يراقب تضارب المصالح؟
– ومن يحاسب المسؤول عندما يثبت الخطأ؟
لذلك فالتكنولوجيا تستطيع أن تقلل الخطأ الفني، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع الثقة. والثقة تحتاج إلى حكامة.

التكنولوجيا أداة … وليست صاحب القرار

ينبغي أيضاً تصحيح تصور شائع: إدخال التكنولوجيا لا يعني نقل سلطة القرار من الحكم إلى الآلة. فالمادة الخامسة من قوانين اللعبة الصادرة عن IFAB تقرر أن المباراة تكون تحت سلطة الحكم، وأن القرارات تتخذ وفق قوانين اللعبة، مع إمكانية استعمال تقنيات مثل VAR وتقنية خط المرمى والتكنولوجيا شبه الآلية لكشف التسلل لمساعدة الحكم في الحالات التي تسمح بها القواعد. كما أن القرار النهائي في الوقائع المرتبطة بالمباراة يظل قرار الحكم. كما أن المادة السادسة تنص على أن حكام الفيديو VAR وAVAR يساعدون الحكم وفق البروتوكول، بينما يبقى القرار النهائي للحكم. وهذا يقودنا إلى نتيجة مهمة: يمكن للتكنولوجيا أن تقلل هامش الخطأ، لكنها لا تلغي الحاجة إلى حكامة جيدة. فالمشكلة لا تنتهي عند وجود VAR، وإنما تبدأ أسئلة أخرى:
– من يختار حكام VAR؟
– كيف يتم تقييمهم؟
– كيف توثق تدخلاتهم؟
– كيف تتم مراجعة أدائهم؟
– وكيف تضمن المنظومة أن التكنولوجيا نفسها تستعمل وفق قواعد موحدة؟
إذن، لا ينبغي أن نخلط بين تحديث أدوات التحكيم وإصلاح حكامة التحكيم. فالأول تقني، أما الثاني فهو مؤسساتي.


رابعاً: استقلالية التحكيم … استقلال عن ماذا؟

الحديث عن استقلالية التحكيم يجب ألا يتحول إلى شعار فضفاض. فالاستقلالية لا تعني أن يصبح جهاز التحكيم منفصلاً عن المؤسسة الرياضية أو خارج نطاق المساءلة. بل تعني أن يكون القرار الفني محمياً من التدخلات غير الفنية، وأن تكون التعيينات والتقييمات والعقوبات خاضعة لمعايير موضوعية قابلة للتتبع. فالاستقلالية الحقيقية تقوم على ثلاثة أركان:
1. استقلال القرار الفني الذي لا يجوز أن يتأثر القرار الفني برغبة هذا النادي أو ذاك.
2. استقلال معايير التعيين والتقييم إذ يجب أن يعرف الحكم المعايير التي يتم على أساسها تقييمه.
3. استقلال المساءلة إذ ينبغي أن تكون المحاسبة مبنية على معايير واضحة، لا على الانطباع أو الضغط أو ردود الفعل.

الاستقلالية ليست شعاراً … بل بنية مؤسساتية

عندما نتحدث عن استقلالية التحكيم، ينبغي ألا نقصد استقلال الحكم عن المؤسسة الرياضية، وإنما استقلال القرار الفني ومساطر التعيين والتقييم عن أي تأثير غير مشروع. وهنا تقدم القوانين التنظيمية للمنافسات الوطنية معياراً بالغ الأهمية: فالتعيينات يجب أن تتم من قبل أجهزة التحكيم المختصة، ولا يجوز للأندية أو العصب أو أي جهاز آخر التدخل فيها. كما يجب أن تتم التعيينات وفق مستوى الحكم وخبرته وبعد اجتياز الاختبارات المطلوبة.

واللافت أن هذا المنطق ينسجم مع فلسفة الحوكمة الرياضية الدولية؛ فـ الفيفا نفسها تؤكد في منظومتها القانونية والتدبيرية على سيادة القانون والحكامة الجيدة والشفافية، كما تشترط الاستقلال في هيئاتها القضائية. وبالتالي، فإن استقلالية التحكيم لا تعني غياب المحاسبة، ولا تعني تحصين المسؤولين من الرقابة؛ بل تعني شيئاً أدق: أن تكون هناك محاسبة مستقلة، على أساس معايير مستقلة، لقرارات فنية لا تخضع لضغط المصالح الرياضية المتنافسة.
وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن نبحث عنها في الإصلاح المغربي.


خامساً: مشكلة تغيير المسؤولين باستمرار

من أخطر مظاهر ضعف الاستراتيجية أن يصبح الإصلاح مرتبطاً بتغيير المسؤول. كل أزمة ينتج عنها تغيير. ثم يأتي مسؤول جديد. ثم تبدأ مرحلة جديدة. ثم تظهر أزمة أخرى. ثم يتغير المسؤول. وهكذا ندخل في دائرة: أزمة → تغيير → انتظار → أزمة → تغيير. لكن:
– أين الاستراتيجية؟
– أين التقييم المرحلي؟
– أين الأهداف لخمس أو عشر سنوات؟
– أين قياس النتائج؟
– أين الذاكرة المؤسساتية؟
إن تغيير المسؤول قد يكون ضرورياً عندما يفشل المسؤول، لكن تغيير الأشخاص دون إصلاح النظام قد يجعل الإصلاح مجرد إعادة تدوير للأزمة.

الإصلاح ليس فكرة طارئة … فالمنظومة نفسها خضعت للتقييم

في مارس 2025 أعلنت الجامعة عن خبرة معمقة للمنظومة الوطنية للتحكيم، وكان من محاورها تحديداً: تقييم الحكام، التعيينات، التكوين، معايير الانتقاء، ثم البنية التنظيمية والتشريعية، بما فيها اللجنة المركزية للتحكيم والمديرية الوطنية للتحكيم والعصب الجهوية وأكاديمية التحكيم.

وبالتالي فالإصلاح ليس فكرة طارئة … فالمنظومة نفسها خضعت للتقييم ومن المهم ألا نتعامل مع الدعوة إلى إصلاح التحكيم باعتبارها مجرد رأي صادر عن المنتقدين. فالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أعلنت سنة 2025 عن مشروع خبرة معمقة للمنظومة الوطنية للتحكيم، شمل محاور تتعلق بالتقنية، وتكنولوجيا VAR، وتقييم الحكام، وتعيينهم، وتكوينهم، ومعايير الانتقاء، فضلاً عن محور خاص بالبنية التنظيمية والتشريعية، شمل اللجنة المركزية للتحكيم والمديرية الوطنية للتحكيم والعصب الجهوية وأكاديمية التحكيم.

فإذا كانت الحاجة إلى تقييم البنية والتنظيم والتعيين والتكوين قد أصبحت موضوعاً لخبرة مؤسساتية، فإن النقاش العمومي ينبغي أن ينتقل من سؤال: “من نغيّر؟” إلى سؤال أكثر نضجاً: “ماذا أظهرت الخبرة؟ وما الذي تغير بعدها؟ وما هي النتائج القابلة للقياس؟” فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد المسؤولين الذين غادروا مواقعهم، وإنما بما إذا كانت المنظومة قد أصبحت بعد الإصلاح أكثر استقلالية وشفافية وكفاءة وقدرة على إنتاج الثقة.


سادساً: لا تغيّروا السائق … أصلحوا الحافلة!

إن تغيير سائق الحافلة، مع الإبقاء على الحافلة نفسها بكل أعطابها، يشبه إلى حد بعيد عملية تجميل لعروس شاء لها القدر أن تزف في سن التسعين! فالمشكلة ليست دائماً في الشخص الذي يجلس خلف المقود بل المشكلة قد تكون في الحافلة نفسها: بنيتها، ومحركها، ونظام قيادتها، وأجهزة مراقبتها، وطريقة توزيع المسؤوليات داخلها. ولهذا، فإن تغيير المسؤولين واحداً بعد آخر، من دون بناء منظومة مستقرة ذات اختصاصات واضحة، ومعايير معلنة، واستراتيجية متعددة السنوات، قد يحول الإصلاح إلى مجرد إدارة يومية للأزمة. المطلوب إذن ليس البحث عن “سائق جديد” كلما تعطلت الحافلة، وإنما إصلاح الحافلة نفسها. أي إصلاح:
– الهيكلة؛
– الاختصاصات؛
– آليات اتخاذ القرار؛
– التعيين؛
– التقييم؛
– التكوين؛
– المساءلة؛
– والتواصل.


سابعاً: أهل الاختصاص أولاً

إذا كان التحكيم منظومة فنية دقيقة، فمن الطبيعي أن تكون المسؤوليات الفنية في يد أصحاب الاختصاص والكفاءة والخبرة. وهذا لا يعني إقصاء الإدارة. بل يعني احترام الحدود بين التدبير الإداري والقرار الفني. فالإدارة توفر الموارد والإطار القانوني والمؤسساتي. أما القرار الفني فينبغي أن يستند إلى الخبرة والمعايير. ومن هنا يمكن القول: “اتركوا أهل الاختصاص يقومون بعملهم. ولا تجعلوا القرب أو الولاء أو القدرة على التصفيق معياراً للكفاءة.” فالتحكيم لا يحتاج إلى من يصفق له؛ يحتاج إلى: كفاءة، ونزاهة، واستقلالية، وتكوين، ومحاسبة.


ثامناً: عندما يصبح التدبير اليومي بديلاً عن المشروع

من أخطر ما يمكن أن يصيب أي منظومة أن يتحول المسؤول إلى مهام يومية لتدبير:
– الإجراءات: – الأزمات. – التعيينات. – الشكايات. – الاحتجاجات. – الأخطاء. – المؤتمرات الصحفية. – الردود الإعلامية.
ثم تنتهي السنة. لكن أين المشروع الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى:
– رؤية قصيرة المدى لتصحيح الأخطاء العاجلة.
– رؤية متوسطة المدى لبناء جيل جديد من الحكام.
– رؤية طويلة المدى لإنشاء منظومة مستقرة ومستدامة.
ومن دون هذه المستويات الثلاثة، ستظل الإدارة تطارد الأزمات بدلاً من صناعة المستقبل.

تضارب المصالح… الحلقة التي لا يجوز تجاهلها

لا يمكن الحديث عن حكامة التحكيم دون الحديث عن تضارب المصالح. فالاستقلالية لا تتحقق فقط بمنع التدخل المباشر في التعيينات، وإنما تحتاج أيضاً إلى منظومة وقائية تحدد الحالات التي يمكن أن تؤثر فيها المصالح الشخصية أو المؤسسية على القرار. وهذا من صميم فلسفة الحوكمة الرياضية الحديثة؛ فالفيفا تعتمد في منظومتها على قواعد للأخلاقيات والنزاهة، كما طورت آليات للتحقيق في قضايا النزاهة، بما فيها قضايا التلاعب بالمباريات، مع الاستعانة بخبراء نزاهة مستقلين.

ومن هنا يمكن التفكير وطنياً في إجراءات أكثر وضوحاً، من قبيل:
– التصريح بحالات تضارب المصالح؛
– وضع قواعد للتنحي عند وجود مصلحة مباشرة؛
– توثيق مسار التعيين؛
– حفظ معايير الاختيار؛
– إخضاع الشكايات الخطيرة لآلية مستقلة؛
– وحماية من يقدم بلاغاً بحسن نية من الانتقام المهني.
فالهدف ليس افتراض سوء النية، وإنما منع الشبهة قبل وقوعها. وهذه قاعدة جوهرية في الحكامة:
أفضل نظام للنزاهة ليس الذي ينتظر الفساد حتى يقع، وإنما الذي يصمم المسطرة بطريقة تجعل التلاعب أصعب، واكتشافه أسرع، ومساءلة مرتكبه أوضح.


تاسعاً: الحكام يحتاجون إلى الحماية المهنية أيضاً

الحكم ليس آلة بل إنه إنسان يتعرض للضغط، والنقد، والتشهير أحياناً. ولهذا فإن تطوير التحكيم لا يتوقف عند اللياقة البدنية والقواعد التقنية بل يحتاج أيضاً إلى:
– الدعم النفسي؛
– التكوين الإعلامي؛
– إدارة الضغط؛
– التواصل مع الأندية؛
– الحماية من الإساءة؛
– آليات واضحة للتظلم؛
– وتأطير مهني مستمر.
فإذا كان الحكم يشعر بأنه يعمل في بيئة عقابية أو عدائية، فإننا لا نبني حكماً أفضل، بل نبني حكماً أكثر خوفاً. والحكم الذي يخاف من الخطأ قد يصبح أقل قدرة على اتخاذ القرار الحاسم.

الحكم ليس رقماً في منظومة التقييم

حين نتحدث عن تطوير الحكم، يجب ألا نختزله في السرعة والتحمل واختبارات القانون. الحكم مهني رياضي يتخذ قرارات في بيئة عالية الضغط، ولذلك فإن جودة المنظومة تقاس أيضاً بقدرتها على توفير تكوين مستمر، ودعم نفسي، وتأهيل إعلامي، وآليات واضحة للتقييم والتظلم. كما أن حماية الحكم لا تعني حمايته من المحاسبة؛ بل تعني حمايته من الضغط غير المشروع والإهانة والتشهير والتدخل في القرار الفني، مع إبقاء المحاسبة المهنية قائمة على معايير واضحة.

وقد أشار النقاش الدولي داخل IFAB إلى أن احترام الحكام وسلامتهم يمثلان تحدياً عالمياً، وهو ما يؤكد أن حماية الحكم ليست قضية مغربية محضة، وإنما جزء من تطوير بيئة كرة القدم نفسها. فالحكم الذي نطالبه بالتركيز تحت الضغط يحتاج بدوره إلى منظومة تحميه من الضغوط التي لا علاقة لها بالأداء الفني.


عاشراً: لماذا يغادر أصحاب الخبرة؟

عندما يغادر مسؤول أو حكم ذو خبرة المنظومة في لحظة كان يفترض أن تستفيد المنظومة منه، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا غادر؟ بل: ما الذي دفعه إلى المغادرة؟ وهنا ينبغي التعامل مع حالات الاعتزال أو الانسحاب المبكر باعتبارها مؤشرات تستحق الدراسة المؤسساتية، لا مجرد أحداث عابرة. فالمنظومة التي تخسر كفاءاتها باستمرار تحتاج إلى أن تسأل نفسها: هل المشكلة في الأشخاص؟ أم في البيئة التي تعمل فيها الكفاءات؟


الحادي عشر: الاتحاد الدولي والمعايير الدولية

الحضور الدولي لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة للاحتفال بل ينبغي أن يتحول إلى معيار لتقييم المنظومة الوطنية. إذا كانت الهيئات الدولية تختار حكماً مغربياً لإدارة مباراة كبيرة، فهذا يعني أن هناك مستوى من الثقة في كفاءته. ومن ثم يمكن الاستفادة من المعايير الدولية في:
– اختيار الحكام؛
– الفئات العمرية؛
– الاختبارات؛
– التكوين؛
– تقييم الأداء؛
– التدرج المهني؛
– واستخدام التكنولوجيا.
لكن يجب أن يتم ذلك بطريقة مؤسساتية، لا من خلال حلول ظرفية أو استثنائية.


الثاني عشر: ماذا نحتاج فعلاً؟

نحتاج إلى الانتقال من إدارة التحكيم إلى حكامة التحكيم. والفرق بينهما كبير لأن إدارة التحكيم تسأل: من سيدير المباراة؟ أما حكامة التحكيم فتسأل: كيف نضمن أن المنظومة كلها تنتج قرارات أكثر عدلاً واستقلالية وقابلية للتفسير؟ مما يتطلب:
– هيكلة واضحة.
– اختصاصات غير متداخلة.
– معايير معلنة للتعيين.
– معايير موضوعية للتقييم.
– رقمنة المسار المهني للحكم.
– حماية القرار الفني.
– تكويناً مستمراً.
– دعماً نفسياً.
– تأهيلاً بدنياً.
– رقابة مؤسساتية.
– آليات مستقلة لمعالجة الشكايات.
– تقارير دورية عن أداء المنظومة.
– استراتيجية متعددة السنوات.
– تقييم المسؤولين أنفسهم، لا الحكام فقط.
– آليات لمنع تضارب المصالح.
– تواصل Institutionsي واضح.
– حماية الحكام من الضغوط غير المشروعة.
– استثمار الكفاءات الوطنية.
– الاستفادة من الخبرة الدولية دون إقصاء الخبرة الوطنية.
– ربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج.


الثالث عشر: الإصلاح لا يعني إقصاء المغاربة ولا تقديس الأجانب

إذا تم اللجوء إلى خبرات أجنبية، فينبغي ألا يتحول الأمر إلى اعتراف ضمني بأن المغرب يفتقر إلى الكفاءات. فالحكم المغربي الذي يتألق دولياً هو دليل حي على عكس ذلك. الاستفادة من الخبرة الأجنبية يمكن أن تكون مفيدة عندما تكون: نقل خبرة + تكوين + تقييم + تطوير مؤسساتي. أما استبدال الكفاءة الوطنية لمجرد كونها وطنية، فهذا ليس إصلاحاً. كما أن رفض الخبرة الأجنبية لمجرد كونها أجنبية ليس إصلاحاً أيضاً. فالمعيار يجب أن يكون الكفاءة والاستقلالية والنتائج.


الرابع عشر: الجمهور والأندية جزء من معادلة الثقة

لا يمكن إصلاح التحكيم من داخل غرفة مغلقة. فالأندية والجماهير والإعلام جزء من البيئة التي يعمل فيها الحكم. لكن الثقة لا تُفرض على الجمهور بل تُبنى. فعندما تكون التعيينات والمعايير والتقييمات أكثر وضوحاً، وعندما تكون آليات التكنولوجيا مفهومة، وعندما تكون القرارات قابلة للتفسير في الحدود الممكنة، يصبح من الأسهل بناء الثقة.


الخامس عشر: من أزمة الحكم إلى أزمة النموذج

في النهاية، قد تكون أزمة التحكيم المغربي أكبر من أخطاء بعض الحكام. إنها أزمة نموذج في كيفية إدارة منظومة فنية حساسة داخل فضاء شديد التنافس والضغط. ولهذا فإن إصلاحها لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: من سنعاقب؟ بل: ما الذي سنغير حتى لا يتكرر الخطأ؟ وهنا يكمن الفرق بين العقوبة والإصلاح.


الخاتمة: لا تبحثوا عن كبش فداء … ابنوا منظومة

لقد أصبح واضحاً أن إصلاح التحكيم لا يمكن اختزاله في استبدال الأشخاص، ولا في استقدام خبراء أجانب، ولا في اقتناء التكنولوجيا، ولا في معاقبة الحكام بعد الأخطاء. الإصلاح الحقيقي هو بناء منظومة متكاملة:
– قواعد واضحة للتعيين،
– معايير معلنة للتقييم،
– استقلال القرار الفني،
– تكنولوجيا موثوقة،
– تكوين مستمر،
– حماية مهنية للحكم،
– آليات للنزاهة وتدبير تضارب المصالح،
– واختصاصات مؤسساتية واضحة.
والأهم أن هذه المنظومة يجب أن تكون قابلة للقياس والتقييم.

فلا يكفي أن نقول إننا أصلحنا التحكيم يجب أن نستطيع بعد موسم أو موسمين أن نجيب عن أسئلة محددة:
– هل انخفضت الأخطاء المؤثرة؟
– هل أصبحت التعيينات أكثر قابلية للتفسير؟
– هل تحسن تقييم الحكام؟
– هل تراجعت الشكايات؟
– هل ارتفعت ثقة الأندية؟
– هل أصبحت مسارات الحكام أكثر وضوحاً؟
– وهل احتفظت المنظومة بكفاءاتها بدل أن تخسرها؟
عندها فقط يمكن أن نتحدث عن إصلاح قائم على النتائج، لا عن تغيير قائم على الانطباعات.

إن أسهل شيء في الأزمات هو البحث عن شخص نحمله المسؤولية. وأصعب شيء هو الاعتراف بأن المشكلة قد تكون في البنية نفسها. لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما نمتلك الشجاعة لطرح السؤال كاملاً:
هل نحتاج إلى تغيير الأشخاص؟ نعم، أحياناً.
هل نحتاج إلى تغيير المسؤولين؟ نعم، عندما تقتضي النتائج ذلك.
لكن هل يكفي تغيير المسؤولين؟ هنا الجواب: لا. لأن تغيير سائق الحافلة، مع ترك الحافلة نفسها بأعطابها، لن يجعل الرحلة أكثر أمناً.

لقد حان الوقت، في تقديري، لكي ننتقل من منطق: “من المسؤول؟” إلى منطق: “كيف نبني منظومة لا تسمح للأزمة بأن تصبح قاعدة؟” لا نحتاج إلى حافلة جديدة كل موسم بل نحتاج إلى إصلاح الحافلة. نحتاج إلى هيكلة واضحة، واختصاصات محددة، وأهل اختصاص في مواقعهم، وقرار فني محمي، ومعايير معلنة، ورقمنة حقيقية، وتكوين مستمر، ومحاسبة عادلة، واستراتيجية لا تتغير بتغير الأشخاص. ولا ينبغي أن تكون الوطنية عائقاً أمام الخبرة الأجنبية، ولا أن تكون الخبرة الأجنبية ذريعة لإقصاء الكفاءة الوطنية. فالتحكيم المغربي أثبت بالفعل أن لديه حكاماً قادرين على الوصول إلى أعلى المستويات الدولية.
إذن، ربما لا ينقصنا الحكم… ربما ينقصنا أن نبني له البيئة التي يستحقها.

وعندما نكف عن إدارة التحكيم بمنطق رد الفعل، ونبدأ في إدارته بمنطق المشروع، وعندما نكف عن البحث عن المصفقين ونبحث عن أهل الاختصاص، وعندما تصبح الكفاءة معياراً للمسؤولية، والنتيجة أساساً للمحاسبة، والاستقلالية قاعدة للقرار الفني، عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا فعلاً في إصلاح المنظومة.
لا تغيّروا السائق كل مرة… أصلحوا الحافلة، وأعيدوا المقود إلى أهل الاختصاص. فالمشكلة ليست فيمن يقود الحافلة فقط…بل المشكلة في الحافلة التي نريد أن تصل بنا إلى المستقبل.

حكم كرة قدم يقف أمام ميزان العدالة الذي يحمل كرة قدم وشعار الفيفا من جهة وشعار الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم من جهة أخرى في ملعب رياضي.

e3lamia

"مؤسس ومدير منصة إعلامية (e3lamia). صحفي وباحث متخصص في الشؤون الدولية والتحليلات السياسية. خبرة تمتد لـ 10 سنوات في المجال الإعلامي الرقمي."

Related Posts

الدكتورة سومية حكيم تطرح نموذجًا عربيًا لحوكمة المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعيوتعلن إطلاق مشروع «هندسة المعرفة الإسلامية» في مؤتمر Mena Editors

إسطنبول – من إنتاج المحتوى إلى بناء البنى المعرفية الموثوقة الباحثة الرئيسية: الدكتورة سومية حكيم متخصصة في هندسة المعرفة والإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الإعلام العربي،…

باحثة مغربية تقود مقاربة بينية في إسطنبول:الدكتورة دنيا تامري توظف “علم النفس السيبراني” لفك شيفرات الوعي الجمعي

إسطنبول – 29 أغسطس 2026 | مؤتمر MENA Editors الأول للإعلام والتحولات الرقمية المحاضرة: الدكتورة دنيا تامري باحثة متخصصة في الإعلام الرقمي وعلم النفس السيبراني في ظل التحولات الجذرية التي يشهدها…

0 0 votes
تقييم المادة

Bir Cevap Yazın

0 تعليقات
Eskiler
En Yeniler Beğenilenler

You Missed

🔴 عاجل: الجزائر تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات رسمياً

  • By e3lamia
  • Eylül 11, 2026
  • 19 views
🔴 عاجل: الجزائر تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات رسمياً

الكوفية الفلسطينية: رمز الصمود والتشبث بالأرض والهوية

  • By e3lamia
  • Eylül 11, 2026
  • 18 views
الكوفية الفلسطينية: رمز الصمود والتشبث بالأرض والهوية

السلطة والشرعية في العقل السياسي العربي:كيف تُنتج الشرعية؟ البيعة، القوة، الدولة، الحاكم والجماعة(ح8)

  • By e3lamia
  • Eylül 7, 2026
  • 40 views
السلطة والشرعية في العقل السياسي العربي:كيف تُنتج الشرعية؟ البيعة، القوة، الدولة، الحاكم والجماعة(ح8)

وهم التأثير “Influence”: بين صخب الشهرة ورصانة التخصص الرقمي رؤية تكاملية في الأصول الشرعية والسلوك الرقمي الواعي

  • By e3lamia
  • Eylül 5, 2026
  • 131 views
وهم التأثير “Influence”: بين صخب الشهرة ورصانة التخصص الرقمي رؤية تكاملية في الأصول الشرعية والسلوك الرقمي الواعي

عندما يُساء استعمال السلطة — من الخطأ الإداري إلى صناعة الملف:كيف تتحول الأجهزة الرسمية إلى أدوات للكيّد والضغط؟

  • By e3lamia
  • Eylül 5, 2026
  • 170 views
عندما يُساء استعمال السلطة — من الخطأ الإداري إلى صناعة الملف:كيف تتحول الأجهزة الرسمية إلى أدوات للكيّد والضغط؟

المولد النبوي .. من جدل الاحتفال إلى معنى الاقتداء

  • By e3lamia
  • Eylül 3, 2026
  • 70 views
المولد النبوي .. من جدل الاحتفال إلى معنى الاقتداء
0
Would love your thoughts, please comment.x