مقال توعوي في القانون الإداري والوظيفة العمومية
بقلم: رشيد مريتخ
باحث في الحكامة والتربية والأورطوبيداغوجيا
عندما تتقاطع العقوبة مع حق الموظف في العطلة
قد يبدو السؤال للوهلة الأولى بسيطاً: “إذا كان الموظف قد أُوقف عن العمل أو أُقصي مؤقتاً خلال الفترة التي كان يفترض أن يستفيد فيها من عطلته السنوية، فهل تعتبر تلك الفترة قد استنفدت حقه في العطلة؟” هذا السؤال يخفي وراءه إشكالاً قانونياً أعمق.
فاللعقوبة التأديبية شيء، والرخصة السنوية شيء آخر. والتوقيف المؤقت شيء، والإجازة شيء آخر. وغياب الموظف عن مقر عمله لا يعني بالضرورة أنه يوجد في «عطلة». بل إن الخلط بين هذه الأوضاع قد يؤدي إلى نتيجة خطيرة: أن تتحول العقوبة التي شرعت لمعاقبة الموظف عن خطأ مهني إلى وسيلة لحرمانه، بصورة غير منصوص عليها صراحة، من حق آخر مستقل هو حقه في الراحة والعطلة.
وهنا تطرح المسألة من زاوية أوسع: هل يجوز للإدارة أن تعتبر الموظف قد استنفد عطلته السنوية لمجرد أنه كان خلال الفترة نفسها خارج العمل بسبب عقوبة تأديبية؟ والجواب يحتاج إلى قراءة متدرجة للنصوص المغربية، ثم مقارنتها ببعض التجارب الأجنبية، ووضعها في إطار المرجعية الدولية لحقوق الإنسان والعمل.
وللمزيد من التحليلات القانونية والإدارية، زوروا موقعنا e3lamia.com.
أولاً: التمييز بين «العطلة» و«التوقيف»
في القانون الإداري المغربي، لا ينبغي الخلط بين الوضعيات المختلفة للموظف.
فالنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية يجعل الرخصة السنوية من الرخص الإدارية، بينما ينظم التوقيف المؤقت في إطار آخر مختلف تماماً. وتؤكد وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أن الرخص بمختلف أنواعها تشكل حقوقاً مضمونة للموظف بموجب النصوص الجاري بها العمل.
أما الفصل 73 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، فينظم التوقيف المؤقت في حالة ارتكاب هفوة خطيرة، ويضع له ضمانات وآجالاً خاصة، من بينها ضرورة استدعاء المجلس التأديبي في أقرب أجل وتسوية وضعية الموظف الموقوف نهائياً داخل أجل أربعة أشهر، مع ترتيب آثار مالية عند عدم البت في القضية داخل الأجل المحدد. إذن، فالتوقيف المؤقت ليس رخصة سنوية. والإقصاء المؤقت كعقوبة تأديبية ليس رخصة سنوية وهذه القاعدة المفاهيمية هي نقطة الانطلاق.
ثانياً: النظام الأساسي والرخصة السنوية؟
ينص الفصل 40 من الظهير الشريف رقم 1.58.008، بعد تعديله، على أن الموظف المزاول لوظيفته له الحق في رخصة سنوية مؤدى عنها. ويحددها في 22 يوم عمل عن كل سنة زاول خلالها مهامه، مع تنظيم كيفية جدولة الرخص، وإمكانية اعتراض الإدارة على تجزئتها لضرورة المصلحة، ووضع ضوابط لتأجيلها. والعبارة الأساسية هنا هي: «للـموظف المزاول لوظيفته الحق في رخصة سنوية مؤدى عنها». وهذا يعني أن الرخصة السنوية مؤسسة قانونية مستقلة، لها شروطها وأحكامها. أما العقوبة التأديبية، فلها أساس آخر وغاية أخرى. ومن ثم لا ينبغي أن ننتقل من: «كان الموظف خارج العمل» إلى: «إذن كان في عطلة». فالنتيجة الثانية لا تتبع بالضرورة من الأولى.
ثالثاً: خصوصية موظفي التربية الوطنية
تزداد المسألة أهمية بالنسبة لموظفي التربية الوطنية بسبب خصوصية تنظيم الرخص المرتبطة بالسنة الدراسية. فالنظام الأساسي الحالي لموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية، المرسوم رقم 2.24.140 الصادر في 23 فبراير 2024، يتضمن في مادته 71 مقتضى خاصاً بالرخصة السنوية. فالمادة المذكورة تقرر استفادة الموظفين من رخصتهم السنوية المحددة في شهر خلال عطلة نهاية السنة الدراسية، المحددة بقرار من السلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية.
كما تسمح لأطر التدريس وبعض الفئات الأخرى بالاستفادة من أكثر من شهر خلال عطلة نهاية السنة الدراسية، وفق الشروط المحددة في النص.
وقد صدر فعلاً قرار وزاري رقم 077.24 لتنظيم عطلة نهاية السنة الدراسية والاستفادة من الرخصة السنوية المخولة لموظفي الوزارة، وهو ما يؤكد أن الأمر يتعلق برخصة قانونية منظمة، وليس بمجرد فترة فراغ من العمل. وهنا تظهر أهمية التمييز: العطلة المدرسية ليست بالضرورة كلها رخصة سنوية. فبالنسبة للموظف التربوي، هناك فترة عطلة نهاية السنة الدراسية، وفي داخلها أو في إطارها التنظيمي يستفيد الموظف من رخصته السنوية وفق المقتضيات الخاصة. ولهذا فإن القول: «الأستاذ لم يعمل خلال الصيف، إذن استفاد من عطلته» قد يكون تبسيطاً قانونياً غير دقيق.
رابعاً: عندما تتزامن العقوبة مع العطلة؟
هنا نصل إلى جوهر الإشكال. لنفترض أن موظفاً صدر في حقه قرار بالإقصاء المؤقت عن العمل لمدة معينة، وتزامنت هذه المدة كلياً أو جزئياً مع الفترة التي كان يفترض أن يستفيد خلالها من رخصته السنوية. هل نقول: “إن العقوبة استنفدت العطلة؟” أم نقول: “إن العقوبة نفذت، لكن الرخصة السنوية لم تتم الاستفادة منها؟”
من الناحية القانونية، هناك حجة قوية للتمييز بين الأمرين. فالعقوبة لها وظيفة تأديبية. أما العطلة فغايتها الراحة واستعادة القدرة على العمل وتحقيق التوازن بين الحياة المهنية والشخصية.
وبالتالي فإن اعتبار مدة العقوبة عطلة سنوية يؤدي عملياً إلى الجمع بين مؤسستين قانونيتين مختلفتين في مدة زمنية واحدة، من دون أن يكون هناك بالضرورة نص صريح يقول إن: «مدة الإقصاء المؤقت تعتبر مدة مستنفدة للرخصة السنوية». وهنا ينبغي احترام قاعدة أساسية في القانون الإداري: “لا يجوز التوسع في تفسير النصوص التي تقيد حقوق الموظفين، ولا استحداث حرمان من حق إلا بسند قانوني واضح.”
خامساً: هل الموظف يستحق عطلة إضافية؟
هنا يجب أن نكون أكثر حذراً. فالقول بأن العقوبة ليست عطلة لا يعني تلقائياً أن للموظف حقاً مطلقاً في إضافة شهر كامل إلى السنة التالية. لماذا؟ لأن الرخصة السنوية تخضع بدورها لشروط تنظيمية، ولأن الفصل 40 من النظام الأساسي العام يضع قاعدة بشأن تأجيل الرخصة من سنة إلى السنة الموالية، ولا يقر التأجيل بصورة مطلقة. إذن توجد مسألتان مختلفتان:
المسألة الأولى: “هل يمكن اعتبار مدة العقوبة عطلة سنوية؟” وهنا توجد حجة قوية للقول: لا، ما لم يوجد نص صريح يقرر ذلك.
أما المسألة الثانية: هل يجوز ترحيل الرخصة غير المستفاد منها بسبب العقوبة إلى السنة التالية؟ وهذه مسألة تحتاج إلى دراسة شروط التأجيل، وطبيعة عدم الاستفادة، وما إذا كان الحرمان راجعاً إلى إرادة الموظف أم إلى مانع قانوني حال دون ممارسته لحقه. وهنا تحديداً ينبغي ألا نعطي جواباً تقنياً.
سادساً: هل عدم الاستفادة اختياري أم قهري؟
هذه النقطة يمكن أن تغير القراءة القانونية. فهناك فرق بين موظف: كان يستطيع الاستفادة من عطلته لكنه اختار عدم القيام بذلك، وموظف: حال قرار إداري أو عقوبة تأديبية دون استفادته منها. ففي الحالة الأولى، يمكن أن تعمل القيود المتعلقة بعدم ترحيل العطلة أو بعدم التعويض عنها. أما في الحالة الثانية، فإن السؤال يصبح: “هل يجوز أن يتحمل الموظف نتيجة قانونية سلبية بسبب مانع أنشأته الإدارة أو فرضته عليه بقرار تأديبي؟” وهذا سؤال مختلف تماماً. فإذا كان الموظف ممنوعاً قانوناً من الالتحاق بعمله بسبب عقوبة، وفي الوقت نفسه لم يكن في وضعية رخصة سنوية، فإن مساواة الفترتين تحتاج إلى سند قانوني واضح.
سابعاً: الفصل 73 وآثار العقوبة
الفصل 73 مهم جداً في هذا السياق. فهو ينظم التوقيف المؤقت، ويحدد أثره على الأجرة، ويقرر أن الموظف قد يحتفظ بالأجرة أو يتحمل اقتطاعاً وفق القرار، مع استثناء التعويضات العائلية، كما يفرض تسوية الوضعية في أجل أربعة أشهر وترتيب آثار مالية معينة عند عدم البت.
ولو كانت المدة التي قضاها الموظف في التوقيف تعتبر «عطلة» قانونية، لما احتاج المشرع إلى تنظيم آثار التوقيف على الأجرة بهذه الدقة. وهذا يعزز فكرة مهمة: “المشرع يعرف التوقيف كمؤسسة مستقلة عن الرخصة.” ومن ثم لا ينبغي أن نخلط بين آثاره وبين آثار العطلة إلا بنص.
ثامناً: الإقصاء المؤقت كعقوبة؟
الإقصاء المؤقت يختلف عن التوقيف الاحتياطي. فالأول عقوبة تأديبية. والثاني إجراء احتياطي في إطار الفصل 73. لكن كليهما لا يصبح بمجرد خروج الموظف من العمل «رخصة سنوية». فالعقوبة التأديبية ينبغي أن تظل في حدود آثارها التي حددها القانون. ولا يصح من حيث المبدأ أن تتحول إلى مصدر لحرمان إضافي غير منصوص عليه. وهذا ينسجم مع مبدأ الشرعية في المجال التأديبي: “لا عقوبة ولا أثر عقابي خارج إطار النص.”
تاسعاً: الموظف ليس خارج دولة القانون
قد تبدو هذه مجرد مسألة إدارية صغيرة لكنها ليست كذلك لأن طريقة تعامل الإدارة مع حق الموظف تكشف مدى احترامها لدولة القانون. فالفصل 19 من الدستور يقرر تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في الدستور والاتفاقيات والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، في نطاق أحكام الدستور والثوابت والقوانين. كما أن الفصل 154 يقرر أن المرافق العمومية تخضع لمعايير: “الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية.” ويقرر الفصل 155 أن أعوان المرافق العمومية يمارسون وظائفهم وفق: “احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة.” أما الفصل 156 فيلزم المرافق العمومية بتلقي ملاحظات المرتفقين واقتراحاتهم وتظلماتهم وتأمين تتبعها. ومن ثم فإن تدبير حقوق الموظف ليس مجرد عمل مادي بل إنه عمل إداري مقيد بالقانون وبمبادئ الحكامة الجيدة.
عاشراً: الراحة حق
على المستوى الدولي، نجد نصاً أكثر صراحة. فالمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تقر بحق كل شخص في شروط عمل عادلة ومرضية، وتشمل صراحة: الراحة وأوقات الفراغ، والتحديد المعقول لساعات العمل، والعطل الدورية بأجر. والمغرب طرف في هذا العهد منذ 3 ماي 1979، ودخل العهد حيز التنفيذ بالنسبة بالمغرب في 3 غشت 1979 وهذا مهم جداً لأن حق الإنسان العامل في الراحة والعطلة ليس مجرد امتياز إداري محض بل إنه جزء من منظومة أوسع للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وقد أوضحت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن الراحة والعطل الدورية المؤدى عنها تساعد على تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، والحد من الضغط والحوادث والأضرار المرتبطة بالعمل.
الحادي عشر: العطلة حق فعلي
تقدم منظمة العمل الدولية معياراً دولياً أكثر تفصيلاً من خلال الاتفاقية رقم 132 بشأن العطلات المؤدى عنها. فالحد الأدنى الذي تقرره الاتفاقية هو ثلاثة أسابيع عمل عن سنة من الخدمة، كما تنظم كيفية احتساب مدة الخدمة، وتوقيت العطلة، وتقسيمها وترحيلها. والأهم أنها تنص على أن الجزء المتواصل من العطلة ينبغي أن يمنح ويؤخذ خلال سنة، والباقي خلال مدة محددة، كما تحظر من حيث المبدأ الاتفاقات التي تؤدي إلى التخلي عن الحد الأدنى من العطلة السنوية. لكن ينبغي هنا تسجيل ملاحظة علمية مهمة أن المغرب من الدول التي لا تظهر على قائمة الموقعين التي تظهرها قاعدة منظمة العمل الدولية بوصفها مصادقة على الاتفاقية رقم 132.
لذلك لا ينبغي تقديم الاتفاقية رقم 132 باعتبارها نصاً تعاقدياً دولياً ملزماً للمغرب. لكنها تظل ذات قيمة كبيرة باعتبارها معياراً دولياً مرجعياً لفهم فلسفة الحق في العطلة السنوية.
الثاني عشر: فرنسا وحماية الحق الفعلي
تقدم فرنسا نموذجاً مفيداً للمقارنة. فالقانون العام للوظيفة العمومية الفرنسي يقرر أن الموظف في وضعية النشاط له الحق في عطلة سنوية مؤدى عنها. ويحدد المرسوم الخاص بموظفي الدولة مدة العطلة بما يعادل خمسة أضعاف الالتزامات الأسبوعية للخدمة، أي في النظام المعتاد 25 يوم عمل تقريباً.
والأكثر إثارة للاهتمام أن التشريع الفرنسي عرف تطوراً حديثاً في موضوع ترحيل العطل غير المستعملة. فمنذ 2025، توجد آليات خاصة تسمح بترحيل بعض الحقوق في حالات يكون فيها الموظف غير قادر على أخذ عطلته بسبب رخص صحية أو مسؤوليات أبوية أو أسرية، مع إمكانية التعويض عن بعض الحقوق غير المستعملة عند انتهاء العلاقة الوظيفية.
وهذا يعكس تحولاً مهماً في فلسفة القانون: “المعيار ليس فقط وجود الحق على الورق، وإنما إمكانية ممارسته فعلياً.”
الثالث عشر: المقارنة تكشف نقطة مهمة
إذا قارنا بين النظام المغربي والاتجاهات الحديثة في بعض الأنظمة الأوروبية، سنجد أن التشريعات تميل تدريجياً إلى سؤال: “لماذا لم يستطع الموظف الاستفادة من عطلته؟” بدلاً من الاكتفاء بسؤال: “هل انتهت السنة ولم يستفد منها؟” وهذا فرق جوهري. فإذا كان عدم الاستفادة نتيجة إرادة الموظف، فالوضع شيء. ببنما إذا كان نتيجة مرض أو وضعية قانونية أو مانع خارج عن إرادته، فالوضع شيء آخر. ومن هنا يمكن طرح السؤال المغربي: “هل ينبغي أن يعامل الموظف الذي حُرم فعلياً من ممارسة رخصته بسبب عقوبة إدارية معاملة الموظف الذي اختار طوعاً عدم استعمالها؟” هذا السؤال يستحق جواباً تشريعياً وإدارياً واضحاً.
الرابع عشر: الأستاذ الموقوف / المقصي؟
لنأخذ الحالة النموذجية التي أثارت هذا المقال: “أستاذ صدر في حقه قرار تأديبي بالإقصاء المؤقت عن العمل. وتزامنت مدة الإقصاء مع جزء من الفترة التي يستفيد خلالها موظفو التربية الوطنية من رخصتهم السنوية. فالأستاذ لم يختر أن يكون في هذه الوضعية. ولم يتقدم بطلب عطلة. ولم يصدر في حقه مقرر رخصة سنوية. بل صدر في حقه مقرر تأديبي.” هنا يجب أن نسأل الإدارة سؤالاً بسيطاً لكنه جوهري: ما هو النص الذي يجعل مدة تنفيذ العقوبة التأديبية مدة مستنفدة للرخصة السنوية؟ إذا لم يوجد هذا النص، فإن مساواة المدتين تحتاج إلى تعليل قانوني لا إلى مجرد ممارسة إدارية.
الخامس عشر: العقوبة وعدم العمل؟
سيكون هذا الدفع قابلاً للمناقشة. صحيح أن الفصل 40 من النظام الأساسي العام يربط الرخصة السنوية بالموظف المزاول لوظيفته. لكن في المقابل، بالنسبة إلى موظفي التربية الوطنية توجد مقتضيات خاصة تربط الرخصة السنوية بعطلة نهاية السنة الدراسية، كما أن المادة 71 من المرسوم 2.24.140 تنظم الرخصة السنوية في إطار خاص. ومن ثم لا يكفي القول: «لم يكن يعمل، إذن لم يستحق العطلة». بل يجب تحديد:
ما الوضعية الإدارية التي كان فيها؟
هل مدة الإقصاء خدمة أم توقف؟
هل من نص يمنع الرخصة السنوية؟
هل يمكن ترحيل الرخصة؟
هل عدم الاستفادة اختياري / قهري؟
وهل ترتب عن العقوبة أثر إضافي لم ينص عليه القرار أو القانون؟
وهذه أسئلة قانونية وليست حسابية.
السادس عشر: التناسب — العقوبة ليست باباً لعقوبات غير مكتوبة
من المبادئ الأساسية في القانون التأديبي أن العقوبة يجب أن تكون محددة ومتناسبة مع المخالفة. فإذا كانت العقوبة هي: “الإقصاء المؤقت عن العمل لمدة محددة مع الحرمان من الأجرة وفق ما ينص عليه القانون أو القرار،” فلا ينبغي أن نضيف إليها أثراً آخر غير منصوص عليه، كأن نقول: «وبما أنك كنت خارج العمل خلال الصيف، فقد استنفدت عطلتك أيضاً». لأننا هنا نكون أمام احتمال إضافة أثر تأديبي جديد بطريقة غير مباشرة. والقاعدة العامة في دولة القانون هي أن: “الآثار المقيدة للحقوق تحتاج إلى سند قانوني.”
السابع عشر: هل يمكن المطالبة بالتعويض المالي عن العطلة؟
هنا ينبغي الانتباه لأن الفصل 40 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية ينص على أن عدم الاستفادة من الرخصة السنوية لا يمنح الموظف حقاً في تقاضي تعويض عنها. لذلك فإن الطريق القانوني الأكثر تحفظاً ليس بالضرورة: «أريد مقابلاً مالياً عن العطلة». بل يمكن أن يكون: «أطلب تسوية وضعيتي وتمكيني من الاستفادة من الرخصة التي تعذر عليّ استعمالها بسبب وضعية إدارية مفروضة عليّ». وهذا فرق مهم جداً. فالمطالبة الأولى قد تصطدم مباشرة بالنص. أما المطالبة الثانية فتفتح نقاشاً حول الحق في الاستفادة الفعلية من الرخصة وتأجيلها بسبب مانع غير اختياري.
الثامن عشر: ما تطلبه الإدارة من نفسها؟
الإدارة الرشيدة لا ينبغي أن تكتفي بتطبيق العقوبة بل عليها أن تسوي الوضعية الإدارية للموظف بكامل آثارها. وهذا يشمل، بحسب الحالة: “الأجرة، والوضعية الإدارية، والرخص، والترقية، والتقاعد، والوثائق الإدارية، وكل حق يرتبط بالوضعية القانونية للموظف.” والفصل 156 من الدستور يضع على المرافق العمومية واجب تلقي التظلمات وتتبعها، بينما يفرض الفصل 155 احترام القانون والشفافية والنزاهة. ومن ثم فإن السؤال عن الرخصة السنوية ليس سؤالاً ثانوياً. إنه جزء من التسوية القانونية الكاملة للوضعية الإدارية.
التاسع عشر: ما ينبغي للموظف فعله؟
في الحالات المشابهة، الأفضل ألا يكتفي الموظف بالقول: «لم أستفد من العطلة» بل يقدم طلباً إدارياً دقيقاً يوضح فيه:
مدة العقوبة أو التوقيف؛
الفترة التي تزامنت معها؛
عدم استفادته فعلياً من الرخصة السنوية؛
عدم وجود مقرر يمنحه تلك الرخصة؛
وأن عدم الاستفادة كان نتيجة وضعية إدارية مفروضة عليه؛
ثم يلتمس تحديد الوضعية القانونية للرخصة؛
وتمكينه منها في حدود ما يسمح به القانون؛
أو بيان السند القانوني الذي يمنع ذلك، مع تعليل القرار.
وهذه الطريقة مهمة لأنها تحول المسألة من شكوى عامة إلى سؤال قانوني محدد قابل للجواب والمراجعة والطعن عند الاقتضاء.
العشرون: الخلاصة القانونية
يمكن تلخيص الموقف في ست قواعد:
التوقيف المؤقت ليس رخصة سنوية.
1.
الإقصاء التأديبي المؤقت ليس رخصة سنوية.
2.
عدم العمل لا يعني تلقائياً الاستفادة من العطلة.
3.
لا يجوز استحداث أثر عقابي جديد إلا بسند قانوني.
4.
عدم الاستفادة من العطلة بسبب مانع قهري يختلف عن التخلي الإرادي عنها.
5.
ترحيل الرخصة أو التعويض عنها ليسا حقين مطلقين، بل يخضعان للنصوص المنظمة وشروطها.
6.
خاتمة: العقوبة والراحة
إن جوهر المسألة ليس الدفاع عن موظف بعينه. بل الدفاع عن وضوح القاعدة القانونية. فالموظف الذي ارتكب خطأً، إذا ثبت خطؤه وفق المسطرة القانونية، يمكن أن يعاقب في الحدود التي رسمها القانون. لكن العقوبة ينبغي أن تظل داخل حدودها.
وفي المقابل، فإن الرخصة السنوية ليست مكافأة تمنحها الإدارة متى شاءت، ولا هي عقوبة يمكن سحبها لمجرد أن الموظف تعرض لعقوبة أخرى. إنها مؤسسة قانونية مستقلة، ترتبط بفلسفة أوسع هي حق الإنسان العامل في الراحة والتوازن بين الحياة المهنية والشخصية، وهو حق اعترف به العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي صادق عليه المغرب منذ سنة 1979.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: “إذا عوقب الموظف بحرمانه من العمل مدة معينة، فهل يجوز أن يُعاقب مرة ثانية بحرمانه من راحة لم ينص القانون صراحة على إسقاطها؟” إن الجواب السليم في دولة القانون لا ينبغي أن يكون انطباعياً. بل يجب أن يبدأ دائماً من النص. فإذا كان هناك نص يمنع الاستفادة، وجب تطبيقه.
وإذا كان هناك نص يسمح بالتأجيل، وجب تفعيله. أما إذا لم يوجد نص واضح، فلا ينبغي للإدارة أن تحول الصمت التشريعي إلى حرمان من حق.
وهنا تكمن قيمة الحكامة الجيدة: “ليست الإدارة الجيدة هي التي تعاقب الموظف عندما يخطئ فقط، وإنما هي أيضاً التي تسوي وضعيته القانونية كاملة، وتحمي حقوقه عندما يكون لها سند، وتعلل قراراتها عندما تقيدها. وفي النهاية، فإن احترام حق الموظف في العطلة لا يعني التساهل مع الخطأ المهني؛ كما أن تطبيق العقوبة لا يعني إلغاء باقي الحقوق. فالعدالة الإدارية لا تقوم على الانتقام، وإنما على الشرعية والتناسب والتسوية الكاملة للوضعية القانونية.”







