في ضوء المرجعيات الدستورية والتشريعية والالتزامات الدولية (الجزء السادس والأخير)
بقلم: الأستاذ رشيد مريتخ
باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا
سادساً: قراءة في الاجتهاد القضائي ومبادئ الرقابة على السلطة التقديرية للإدارة
رقى القضاء الإداري، في المغرب وفي الأنظمة المقارنة، بأن الإدارة تمتعت بسلطة تقديرية في تدبير شؤونها، غير أن هذه السلطة ليست مطلقة، بل هي سلطة مقيدة بضوابط قانونية وأخلاقية. وقد استقر الفقه والقضاء الإداريان على أن القاضي الإداري لا يحل محل الإدارة في اتخاذ القرار، لكنه يراقب مشروعية هذا القرار ومدى احترامها للقانون وللحقوق المكتسبة للموظفين.
ومن أهم المبادئ التي أرساها القضاء الإداري في هذا المجال:
– مبدأ المشروعية، الذي يفرض على الإدارة التقيد بالنصوص والقوانين والمواثيق الوطنية والدولية.
– مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، الذي يمنع التمييز بين الموظفين إلا لسبب موضوعي ومشروع.
– مبدأ الشفافية، الذي يوجب على الإدارة نشر المعلومات المتعلقة بالقرارات الإدارية التي تمس حقوق المواطنين.
– مبدأ تعليل القرارات الإدارية، الذي يجبر الإدارة على توضيح الأسباب القانونية والواقعية التي بنيت عليها قراراتها.
– مبدأ عدم الانحراف بالسلطة، الذي يمنع الإدارة من استعمال سلطتها التقديرية لتحقيق أهداف شخصية أو فئوية.
ومن ثم، فإن أي قرار إداري يتعلق بتدبير الموارد البشرية، كقرار تعيين أو تنقيط أو ترقية، يجب أن يخضع لهذه المبادئ، وإلا كان عرضة للإلغاء من قبل القضاء الإداري.
وللمزيد من التحليلات التربوية والقانونية، زوروا موقعنا e3lamia.com.
سابعاً: نحو إصلاح منظومة تدبير الفائض والخصاص … مشروع توصية عملية
إن معالجة الاختلالات المتأتية لا تكون بإجراءات ارتجالية، وإنما بإرساء منظومة مؤسساتية تقوم على الوفاق والشفافية والرقمنة والمسؤولية. وفي هذا الإطار، وفي ضوء التجارب الدولية، يمكن اقتراح ما يلي:
1. إرساء منصة رقمية/جهوية/إقليمية موحدة ومعلنة لتدبير الفائض والخصاص.
2. النشر الإلكتروني للوائح الفائضين ولوائح المناصب الشاغرة وفق الضوابط القانونية.
3. الإعلان عن جميع المناصب الشاغرة قبل أي عملية تكليف.
4. نشر معايير التنقيط والترتيب بصورة واضحة ودقيقة.
5. تحديد منهجية تدبير الفائض على الصعيد الوطني.
6. تحديد آجال معلنة للإعلان عن النتائج.
7. تمكين المعنيين من أجل معقول للاطلاع قبل ذيفنت القرارات النهائية.
8. تعليل القرارات الإدارية ذات الأثر الفردي كما انطبق القانون ذلك.
9. رقمنة جميع مراحل تدبير العملية.
10. اعتماد سجل إلكتروني لتتبع جميع التكليفات وإعادة الانتشار.
11. إخضاع البيانات لاستحقاقات دورية.
12. تعزيز دور المفتشيات العامة في المراقبة.
13. تطوير آليات الرقابة الداخلية بالإخلاقيات والمديريات.
14. تعزيز التنسيق المؤسسي للمسؤولين المكلفين بتدبير الموارد البشرية.
15. ترشيد أخلاقيات المرفق العمومي ومحاربة براثن المحاصصة.
16. توسيع قنوات التواصل مع الموظفين خلال مراحل تدبير العملية.
17. احترام حماية المعطيات الشخصية عند نشر المعلومات.
18. تعزيز التنسيق بين الإدارة والشركاء الاجتماعيين في إطار من الشفافية.
19. تقييد سنوي لمدى احترام معايير الحكامة في تدبير الموارد البشرية.
20. جعل الشفافية والرقمنة مؤشرين أساسيين في تقييم أداء الإدارة التربوية.
خاتمة: من ثقافة الكتمان إلى ثقافة الشفافية
إن مدرسة عمومية قوية لا تقوى فقط بتشديد المؤسسات، أو توظيف المنهج، أو توفير الموارد المالية، وإنما تبدأ أولاً وأخيراً بإرساء إدارة عادلة وشفافة، تُحَجِّمُ من المعلومة حقاً، ومن الموظف مجرماً، ومن الاستحقاق معياراً، ومن الواسمة قاعدة لا استثناء. فالشفافية ليست خياراً تتبناه الإدارة متى تشاء، بل هي التزام دستوري وقانوني، وجوباً قانونياً، وواجباً وطنياً، وضمانةً لحماية مصالح الموظفين، ومصانةً لحماية الإدارة نفسها من اتهامات المحسوبية والزبونية.
وإذا كان المغرب قد اختار، دستورياً ومؤسسياً، ترسيخ قيم الحكامة الجيدة والمحاسبة، والحصول على المعلومات، فإن تدبيد هذه القيم يمر عبر ممارسات يومية أدبت من أبسط الإجراءات الإدارية، وأهنم تدبير الفائض والخصاص وفق معايير معلنة، ومسطرة واضحة، ورقابة فعالة، ورقمنة متقدمة.
إن المدرسة العمومية لا تشتق الشفافية، بل تزدد بها قوة ومصداقية. والإدارة الفاعلة هي الإدارة التي لا تخشى رقابتها ومصادقتها. والثقة التي تبنيها الإدارة مع موظفيها هي أقوى رأس مال لها. فإذا فقدت هذه الثقة، فإن كل الإصلاحات تصبح مجرد شعارات جوفاء. وعليه، فإن الانتقال من ثقافة الكتمان إلى ثقافة الشفافية ليس مجرد إجراء تقني، بل هو تحول حضاري وثقافي وسياسي، يضع المواطن والموظف في قلب الاهتمام، ويجعل الإدارة في خدمة الصالح العام، لا في خدمة مصالح ضيقة أو فئوية.
والله ولي التوفيق.
تم بحمد الله.
بقلم: الأستاذ رشيد مرتخ
باحث في التربية والحكامة والأورطوبيداغوجيا









